رسالة من قارىء..الجزء الثالث

سادساً : أنت تتكلم عن ارتباط آيات القرآن بأسباب نزول معينة وأن ذلك يدل على أن محمداً كتب آيات القرآن منفعلاً بالأحداث التي كانت تقع له :

يقول دكتور طه حسين في كتاب “مرآة الإسلام” الجزء الثاني :

” وقد نزل القرآن منجماً ولم يوح إلى النبي جملة وإنما كان ينزل بين وقت ووقت يتتابع أحياناً ويبطيء أحياناً أخرى. وقد تساءل المشركون من قريش لماذا لم ينزل القرآن جملة ؟ ولو قد أنزل عليه مرة واحدة لما أطاقوه. وإنما أراد الله أن ينزله منجماً ليتابع به حياة النبي والعرب وما اختلفا عليهم من الأطوار في هذا الأمد الذي قضاه النبي بينهم مبشراً ونذيراً”.

والكثير من الحكماء والمعلمين مثل بوذا وكونفوشيوس يعظون تلاميذهم وينصحونهم ويقدمون لهم العلم والحكمة من خلال حوادث معينة تضمن لهم فهماً أعمق للحكمة والدرس والموعظة، بدلاً من إعطائهم إياها في شكل توجيهات نظرية، غالباً لن تعلق بأذهانهم.

فمثلاً نجد الكاتب البرازيلي باولو كويليو يورد القصة التالية في كتابه “مكتوب”، الذي يحوي الكثير من المواعظ والحكم التي جمعها الكاتب :

“دنا التلميذ من معلمه ليسأله : أبحث عن الاستنارة الروحية منذ سنوات وأشعر بأنني قد اقتربت منها، ليتك تدلني على الخطوة التالية يا سيدي !.

سأله المعلم : كيف تعيل نفسك ؟.

قال التلميذ : لم أتعلم بعد. أبي يكفلني، ولكن ذلك ليس مهماً.

قال المعلم : الخطوة التالية هي أن تنظر إلى الشمس نصف دقيقة.

ونفذ التلميذ وصية معلمه الذي طلب منه بعد انقضاء نصف الدقيقة أن يصف له الحقل الذي كانا يقفان فيه.

قال التلميذ : ولكني لا أستطيع، فقد أرهقت الشمس عيني.

قال المعلم : من يبحث عن الضوء ويتهرب من تبعاته لا يمكنه أن يجد الاستنارة. ومن يحدق في الشمس ويظل على حاله لن يصيبه في النهاية سوى العمى”.

بمعنى أن الباحث عن نور العلم يجب أن يبذل جهداً، لا أن يجلس في مكانه وينتظر أن يأتيه كل شيء. ولو كان المعلم أخبر تلميذه بهذه الحقيقة مباشرة لما وصل لأعماق التلميذ منها شيء، ولاستمر فيما هو عليه بعد دقائق من تركه للمعلم، أما إخبار المعلم للتلميذ بتلك الحقيقة بعد خوضه لتلك التجربة سيجعله يفهم ويتعلم.

وهذا الأسلوب الراقي في التعليم هو الذي يتبعه القرآن. فالقرآن مليء بالتشريعات والأحكام والأوامر والنواهي، وقد شاءت إرادة الله ألا ينزل كل هذه التشريعات والأوامر والنواهي والأحكام على المسلمين دفعة واحدة، وشاءت إرادته ألا يصوغها لهم في شكل توجيهات نظرية مجردة، وإنما من خلال حوادث معينة سبق في علم الله أنها ستحدث، وجاء تعليق القرآن وتوجيهه للمسلمين من خلالها.

على سبيل المثال؛ الولاء والبراء مبدأ أساسي من مباديء الإسلام، ويعني أن يكون مقياس المسلم في محبته وكراهيته للناس هو موقفهم من دين الله، فالكفار الذين يعادون الإسلام ويحاولون النيل منه على المسلم أن يكرههم ويعاديهم حتى ولو كانوا أقرب الناس إليه، كأبيه وأمه وإخوته وأبنائه إلخ. هذا المبدأ لم يعلمه الله لنا بشكل نظري، وإنما انتهز القرآن فرصة وقوع حادثة تتنافى مع هذا المبدأ ليوضحه للمسلمين ويعلمهم إياه، وذلك حينما قرر الرسول المضي إلى مكة لفتحها بعد أن وصله أنها غدرت ونقضت معاهدة صلح الحديبية حينما أعانت حلفاءها من بني بكر على حلفاء المسلمين من بني خزاعة، فقتلوهم غدراً في المسجد الحرام. فقام أحد المسلمين ويدعى حاطب بن أبي بلتعة بإرسال رسالة إلى كفار مكة ينبئهم فيها بأن الرسول قادم إليهم، وذلك لأن أسرته كانت لا تزال بمكة، وخشي عليهم، فأراد أن يصنع معروفاً بكفار مكة برسالته هذه تجعلهم يحافظون على أهله الذين عندهم. فنزل قول الله تعالى :

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاء مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ [الممتحنة : 1]).

وموضحاً أن الأهل والأولاد لن ينفعوا المرء يوم القيامة :

(لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [الصف : 3]).

وضارباً مثلاً في الولاء والبراء بإبراهيم عليه السلام :

(قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ{4} رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ{5} لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ{6}[الصف : 4 – 6])

ثم بعد تحليل ما حدث والمقارنة بين ما فعله حاطب بن أبي بلتعة وما فعله إبراهيم عليه السلام، وضع القرآن القاعدة والحكم الذي يجب أن يسير عليه المسلمون، وهو أن الله لا يمنع المسلمين عن حب ومودة الكفار الذين لم يحاربوا المسلمين ولم يحاولوا إيذاءهم وفتنتهم في دينهم، بالعكس؛ التعامل الحسن مع هؤلاء شيء يحبه الله ويرضاه :

(لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الصف : 8]).

وإنما النهي والتبرأ يكون مع أولئك الذين حاربوا المسلمين وآذوهم وطردوهم وشردوهم :

(إنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الصف : 9]).

وهكذا؛ جاءت هذه الحادثة – وغيرها كثير – ليتعلم المسلمون من خلالها تلك الأحكام والمواعظ.

وإذا كان محمد هو الذي ألف القرآن فلماذا حينما اتهمت زوجته عائشة في حادثة الإفك، وأخذ الناس يخوضون في سيرتها وسيرته، وانطلق المنافقون يزيدون النار اشتعالاً، لماذا لم يسارع بحسم الموقف وتبرئتها بنص قرآني يحسم المسألة في الدقائق الأولى لها ؟ لماذا انقطع الوحي شهراً كاملاً ظل محمد خلاله أمام الصحابة – من أمثال أبي بكر وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب – ينتظر بحزن ولهفة مجيء الوحي ليحسم هذه المسألة ؟

وإذا كان القرآن رد فعل لحوادث وقعت لمحمد وانفعل بها وعبر عنها بآيات، فلماذا هناك آيات تعاتب محمداً نفسه على سوء تقديره في بعض الأمور، مثلما وقع في حادثة الأعمى عبد الله بن أم مكتوم. يقول ابن كثير في تفسيره :

“ذكر غير واحد من المفسرين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوماً يخاطب بعض عظماء قريش وقد طمع في إسلامه، فبينما هو يخاطبه ويناجيه إذ أقبل ابن أم مكتوم وكان ممن أسلم قديماً، فجعل يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء ويلح عليه، وود النبي صلى الله عليه وسلم أن لو كف ساعته تلك ليتمكن من مخاطبة ذلك الرجل طمعاً ورغبة في هدايته، وعبس في وجه ابن أم مكتوم وأعرض عنه وأقبل على الآخر فأنزل الله تعالى : (عَبَسَ وَتَوَلَّى{1} أَن جَاءهُ الْأَعْمَى{2} وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى{3} [عبس : 1-3]) أي يحصل له زكاة وطهارة في نفسه (أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى [عبس : 4]) أي يحصل له اتعاظ وانزجار عن المحارم (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى{5} فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى{6} [عبس : 5-6]) أي أما الغني فأنت تتعرض له لعله يهتدي (وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى [عبس : 6]) أي ما أنت بمطالب به إذا لم يحصل له زكاة (وَأَمَّا مَن جَاءكَ يَسْعَى{8} وَهُوَ يَخْشَى{9}[عبس : 8-9] ) أي يقصدك ويؤمك ليهتدي بما تقول له : (فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى [عبس : 10]) أي تتشاغل.

ومن ههنا أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن لا يخص بالإنذار أحداً بل يساوي فيه بين الشريف والضعيف والفقير والغني والسادة والعبيد والرجال والنساء والصغار والكبار، ثم الله تعالى يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة”.

ويقول الطبري في تفسيره :

“فلما نزل فيه أكرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلمه وقال له : ما حاجتك هل تريد من شيء ؟ وإذا ذهب من عنده قال له : هل لك حاجة في شيء ؟”.

وكان الرسول كلما رأى عبد الله بن أم مكتوم يقول له : “مرحباً بمن عاتبني ربي لأجله”.

ومن ذلك أيضاً قول الله تعالى معاتباً نبيه :

(وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً{73} وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً{74} إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً{75}[الإسراء 73 – 75]).

فالكفار ساوموا الرسول كثيراً لإثنائه عن الدعوة، ومن ذلك أنهم عرضوا عليه أن يملكوه عليهم، وعرضوا عليه أن يزوجوه أجمل نسائهم، وعرضوا عليه أن يعطوه من أموالهم حتى يصبح أغناهم، وعرضوا عليه أن يعبدوا إلهه سنة ويعبد آلهتهم سنة، وعرضوا عليه أن يتبعوا دينه فقط لو طرد الفقراء والضعفاء من أتباعه، ولكنه رفض بشكل قاطع كل هذه العروض لتنافيها مع مباديء الدين وقيمه وأصوله، ولما لم ينجحوا حاولوا الوصول إلى اتفاق وسط يرضي جميع الأطراف، ومن ذلك عرضهم عليه أن يعبدوا إلهه بشرط أن يتوقف عن التنديد بآلهتهم وما كان عليه آباءهم. ويبدو أن الرسول فكر في نفسه في أن توقفه عن التنديد بآلهتهم لن يضر الدعوة شيئاً، وفي المقابل هم سيعبدون الله وسيدخل الإيمان في قلوبهم مع الوقت، لكنه لم يلبث أن رفض هذا العرض.

لكن هذه الوهلة من التفكير أنزل الله فيها هذه الآيات معاتباً نبيه على مجرد تفكيره ومفاضلته بين إيجابيات وسلبيات العرض وعدم رفضه له بشكل مباشر وقاطع.

لو كان محمداً هو من يكتب آيات القرآن منفعلاً بالأحداث التي تقع له، فكيف ولماذا يعاتب نفسه ويحذرها إذا أساء تقدير الأمور ؟.

سابعاً : أنت تتكلم عن عدم تسلسل آيات القرآن بشكل منطقي :

والحقيقة أنني انتظرت أن تضرب أمثلة على ذلك لأفهم قصدك بالضبط، ولأعرف إن كانت هناك فعلاً آيات غير متسلسلة بشكل منطقي، اكتشفتها سيادتك وخفيت على الجميع طوال القرون الماضية، أم أن الأمر فقط يتعلق بعدم فهمك للآيات وسياقها، وعدم محاولتك – كالعادة – البحث والاستقصاء والسؤال بغرض الحصول على العلم الكافي واللازم للفهم ومعرفة الحق من الباطل – لأني افترض بحسن نية أنك تسعى وراء الحقيقة، ولست فقط تحاول نقض الإسلام من باب التعصب – لكنك للأسف لم تورد أي أمثلة على كلامك، واكتفيت – كعادتك في كل كلامك من أوله لآخره – بالكلام بشكل مرسل وإطلاق الأحكام العامة.

لذلك سأضطر أن أعتمد على نفسي وأوضح لك المواضيع التي تدورحولها بعض سورالقرآن، وتسلسل الآيات والمعاني فيها.

فلنبدأ من البداية، من سورة الفاتحة والبقرة.

سورة الفاتحة :

سميت بالفاتحة لأنها تفتتح القرآن، أو لأنها مفتاح القرآن، فهي تحوي في آياتها السبع كل ما في القرآن من مضمون ومعاني : عقيدة – عبادة – مناهج حياة، وكأنها ملخص موضوع في بداية القرآن لما يحتويه.

– الآيات من 1 – 4 تتكلم عن العقيدة :

(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ{1} الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ{2} الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ{3}[الفاتحة : 1-3])

– الآية 5 تتكلم عن العبادة :

(إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ{5}[الفاتحة : 5])

– الآية 6 – 7 تتكلم عن مناهج الحياة :

(اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ{6} صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ{7}[الفاتحة : 6-7]).

والفاتحة بالإضافة لاختصارها لكل القضايا التي سيشرحها القرآن تفصيلياً؛ فهي تذكرنا كذلك بكل أساسيات الدين : نعم الله وشكرها “الحمد لله رب العالمين” – أسماء الله الحسنى وأن الرحمة هي أصل صلة الله بنا “الرحمن الرحيم” – البعث ويوم القيامة ” مالك يوم الدين” – الإخلاص “إياك نعبد وإياك نستعين”، لذلك وضع إياك قبل نعبد وإياك قبل نستعين – الاستقامة ” اهدنا الصراط المستقيم” – الصحبة الصالحة ” صراط الذين أنعمت عليهم” – التحذير من صحبة السوء “غير المغضوب عليهم ولا الضالين” – الدعاء “النصف الثاني من الفاتحة دعاء” – التذكير بوحدة الأمة وارتباطها “جميع الضمائر فيها بصيغة الجمع”.

والفاتحة مرتبطة بجميع سور القرآن، وهناك علاقة بين معانيها ومعاني أي سورة في القرآن، فمثلاً آخر كلمتين في الفاتحة ” غير المغضوب عليهم ولا الضالين” جاءت سورة البقرة وآل عمران لشرحهما، فشرحت البقرة من هم المغضوب عليهم – اليهود – وشرحت آل عمران من هم الضالين – النصارى.

سورة البقرة :

موضوع السورة والمحور الذي تدور حوله : الاستخلاف في الأرض – أنتم أيها البشر مسئولون عن الأرض.

فعبر تاريخ الأرض استخلف الله أقواماً مختلفين، منهم من نجح ومنهم من فشل، والمسلمون هم آخر أمة مأمورة بالقيام بواجب الخلافة في الأرض، من خلال العمل بالشريعة المنزلة إليهم والأخذ بأسباب العلم.

وهي مقسمة إلى مقدمة، وقسمين : الأول يتحدث عن نماذج لأشخاص وأقوام استخلفهم الله في الأرض فمنهم من نجح ومنهم من فشل، ويوضح لماذا نجح هؤلاء ولماذا فشل أولئك، والقسم الثاني عبارة عن أوامر ونواهي وتشريعات للأمة الجديدة المسئولة عن الأرض، ثم خاتمة.

المقدمة توضح أن الناس ثلاثة أنواع بالنسبة لانتمائهم للعقيدة، وذلك في الآيات من 1 إلى 20 :

النوع الأول هم المؤمنون :

(الم{1} ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ{2} الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ{3} والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ{4} أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ{5}[البقرة : 1-5])

والنوع الثاني هم الكفار :

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ{6} خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ{7}[البقرة : 6-7]).

والنوع الثالث هم المنافقون، الذين لا هم كفار ولا هم مؤمنون :

(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ{8} يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ{9} فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ{10} وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ{11} أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُونَ{12} وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَـكِن لاَّ يَعْلَمُونَ{13} وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ{14} اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ{15} أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ{16} مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ{17} صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ{18} أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ{19} يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ{20} [البقرة : 8-20]).

ثم يعقب الله سبحانه وتعالى على هذه المقدمة، في الآيات من 21 إلى 29 مذكراً الأنواع الثلاثة بطريق الصواب الذي يجب أن يتبعوه :

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ{21} الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ{22} وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ{23} فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ{24} وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ{25} إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَـذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ{26} الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ{27} كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ{28} هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ{29}[البقرة : 21-29] )

ثم يبدأ القسم الأول الذي يتحدث عن نماذج الأقوام الذين استخلفهم الله في الأرض، وذلك بعرض قصة آدم عليه السلام، التي تشرح كيف بدأت خلافة الإنسان في الأرض، وذلك في الآيات من 30 إلى 39، عارضةً خلق الله لآدم وقصة آدم مع إبليس ثم هبوطه من الجنة، لتبدأ خلافة الإنسان على الأرض.

ثم تنتقل الآيات إلى نموذج ممن استخلفهم الله في الأرض لكنهم لم ينجحوا، وهم اليهود، الذين عصوا أوامر الله ولم يسيروا على المنهج الذي رسمه لهم، وذلك في الآيات من 40 إلى 123 والتي تبدأ بقوله تعالى :

(يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ{40}[البقرة : 40]).

وتنتهي بقوله تعالى :

(يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ{122} وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ{123}[البقرة : 122-123])

وما بين الآيتين تمضي الآيات تشرح نعم الله على بني إسرائيل :

(وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ{49} وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ{50} وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ{51} ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ{52} وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ{53}[البقرة : 49 – 53]).

ويبين الأخطاء التي وقعوا فيها :

(وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ{55}[البقرة : 55])

(وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ [البقرة : 61])

ومن ضمن الأخطاء التي وقعوا فيها قصة البقرة :

(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ{67} قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ{68} قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ{69} قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَاء اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ{70} قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا قَالُواْ الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ{71} وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ{72} فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ{73}[البقرة : 67-73]).

وقصة البقرة تدور حول أن أحد أغنياء بني إسرائيل وجد مقتولاً ولم يعرف أحد من قتله، فطلبوا من موسى أن يحل لهم المشكلة. ولأن بني إسرائيل قوم ماديون، فقد أمر الله موسى بأن يذبحوا بقرة ويضربوا الميت بلحمها ليحييه الله فيخبرهم بمن قتله. لم يحدد لهم بقرة معينة، ولا صفات محددة لها، أي بقرة كانت ستفي بالغرض. لكن لأنهم قوم ماديون ضعيفي الإيمان فقد شكوا في الأمر، وأخذوا يسألون موسى : هل تريدها بصفات معينة ؟ ما لونها ؟ ما شكلها ؟. ومع كل سؤال كان الله يعاقبهم على عدم طاعتهم ومجادلتهم بأن يصعب عليهم الأمر، فيعطيهم أوصافاً تصعب من مهمة بحثهم عن البقرة.

لذلك سميت السورة بالبقرة، لأنها نموذج لأخطاء وتعنت الأمم السابقة وجدلهم وعدم طاعتهم لأنبيائهم وتحايلهم على شرع الله، وكلها أمور تؤدي إلى فشل الأمة في خلافة وتعمير الأرض.

وبعد انتهاء الحديث عن تجربة بني إسرائيل، تتكلم الآيات عن نموذج من الأشخاص الذين استخلفهم الله في الأرض ونجحوا، وهو إبراهيم عليه السلام، وذلك في الآيات من 124 إلى الآية 141، والتي تبدأ بقوله تعالى :

(وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ[البقرة : 124]).

وتنتهي بقوله تعالى :

(وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ[البقرة : 135]).

وما بين الآيتين يتحدث الله عن كيفية نجاح إبراهيم في خلافته.

وهكذا ينتهي القسم الأول من السورة بعد أن أوضح ثلاث قصص : بداية استخلاف الإنسان في الأرض – قصة آدم – ويضرب نموذجاً لمن استخلفوا لكنهم فشلوا – بني إسرائيل – ونموذجاً لمن استخلفوا ونجحوا – إبراهيم – معلقاً على كل نموذج وموضحاً لما فعله من نجاح أو فشل. ونلاحظ أن الاختبار الأكبر الذي نجحوا أو فشلوا فيه كان طاعة الله واتباع أوامره.

ثم يبدأ القسم الثاني، الذي يشمل الأوامر والنواهي للأمة الجديدة المستخلفة في الأرض كي تستطيع القيام بواجبات هذه الخلافة، وذلك في الآيات من 136 إلى 283، والتي تبدأ بقوله تعالى :

(قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة : 136]).

ثم يبدأ أول اختبار للطاعة، وذلك بتغيير القبلة :

(وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [البقرة : 143]).

ولم يكن تغيير القبلة اختبار طاعة فقط، بل هو لفت انتباه المسلمين إلى أنهم يجب أن يكونوا أمة مميزة عن غيرهم من الأمم السابقة حتى في قبلتهم. لكن ليس معنى التميز أن نرفض كل ما كان قبلنا، فيقول الله :

(إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ [البقرة : 158]).

فيجب أن يكون هناك توازن ومرونة في فهمكم للتميز.

ثم لا تنسوا أن القضية ليست قضية اتجاه أو تميز؛ القضية هي قضية استخلافكم في الأرض وإصلاحكم لها :

(لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [البقرة : 177]).

ولأن الموضوع هو استخلافكم في الأرض فيجب أن يكون لديكم منهج حياتي تسيرون عليه، فتبدأ الآيات في إيراد أوامر ونواهي وتشريعات. فيبدأ بالتشريع الجنائي :

(وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة : 179])

ثم المواريث :

(كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ [البقرة : 180]).

ثم التشريع التعبدي :

(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة : 185])

ونلاحظ أن كل تشريع ينتهي بالأمر بالتقوى، وهو ما يتناسق مع الآيات الأولى من السورة : (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ [البقرة : 2]).

والمنهج ليتم يحتاج للإنفاق عليه وللدفاع عنه، لذلك يورد بعد ذلك آيات الإنفاق وآيات الجهاد :

(وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة : 190])

(وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة : 195])

والجهاد ليس فقط أن تقاتل الأعداء، ولكن المعنى الأكبر من ذلك هو قتالك للعدو الأكبر : نفسك الأمارة بالسوء، ولترويض النفس يورد الله بعد ذلك آيات تتحدث عن عبادة هامة يحدث فيها مجاهدة للنفس وترويض لها : الحج. يقول تعالى :

(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [البقرة : 189])

(الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ [البقرة : 197])

ثم وقفة مع آية تذكرنا بأننا يجب أن نأخذ هذا المنهج كله، وليس بعض الأجزاء منه كما يفعل كثيرون :

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ [البقرة : 208]).

ثم عاد بعدها لإكمال المنهج، وذلك بإيراد أحكام الأسرة من الزواج والطلاق والرضاعة :

(ولاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَـئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللّهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [البقرة : 221])

(وإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ{227} وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ{228} الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ{229} فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ{230} وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لَّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلاَ تَتَّخِذُوَاْ آيَاتِ اللّهِ هُزُواً وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ{231} وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ{232}[البقرة : 227 – 232])

(والْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ{233}[البقرة : 233])

ثم عاد وتكلم عن نموذج لأشخاص تخاذلوا عن تنفيذ المنهج ونصرة دينهم، وهي قصة طالوت وجالوت، ليذكرنا بأن هذا المنهج بحاجة لأشخاص يحافظون عليه، ولا يتم ذلك سوى بأشخاص مستعدين للدفاع والذود عنه، سواءً باتباعه أو الإنفاق عليه أو القتال في سبيله.

ثم بعد الكلام عن المنهج، والشعور الذي قد يخرج به المرء من أن المنهج ثقيل، تأتي آية الكرسي :

(للّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة : 255])

ليذكرنا الله أن المنهج قد يكون ثقيلاً وطريقه طويل، لكن الأمر يستحق، لأنه منزل إلينا من الله سبحانه وتعالى الذي صفاته كذا وكذا.

ومن لا يشعر بهذه الآية فإنا لن نجبره على شيء :

(لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة : 256])

ثم يعرض بعد تلك الآية التي تتكلم عن الله وصفاته – آية الكرسي – نماذج على قدرة الله في الكون، من خلال بعض القصص. فيعرض لنا ثلاث قصص عن قدرة الله على إحياء الموتى : قصة إبراهيم مع النمرود – وقصة عزير الذي أماته الله مائة عام ثم أحياه – وقصة إبراهيم مع إحياء الطير. كل هذه تأكيدات على أن “الله لا إله إلا هو الحي القيوم”.

ثم تنتهي السورة بعرض آخر جزء في المنهج : المنهج الإقتصادي. فتبدأ حملة شديدة على الربا :

(الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة : 275])

وهكذا فإن سورة البقرة تتكلم عن : أنتم مسئولون عن الأرض. لا تتبعوا خطوات الأمم السابقة التي فشلت في حمل منهجها، كأصحاب البقرة. لديكم منهج شامل للقيام بذلك، إطار هذا المنهج هو طاعة الله – التميز وعدم تقليد الأمم السابقة – تقوى الله. عناصر هذا المنهج : تشريع جنائي – مواريث – صيام – حج – أحكام الأسرة – إنفاق – جهاد إلخ.

وتأتي الخاتمة بتقرير عن المنهج الذي التزم به المسلمون :

(آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة : 285])

ويتلو ذلك بدعاء يعلمه الله للمؤمنين ليعينهم على تحمل المنهج والقيام بواجباته :

(لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [البقرة : 286])

سورة آل عمران :

بعد أن وضحت سورة البقرة المنهج، جاءت سورة آل عمران لتدور حول الثبات على هذا المنهج.

وذلك من خلال قسمين كبيرين : القسم الأول يدور حول الثبات على المنهج فكرياً في مواجهة الأفكار الخارجية، وذلك من خلال مناقشة النصارى وتدور أول 120 آية حول ذلك.

القسم الثاني يدور حول الثبات على المنهج عملياً، وذلك من خلال استخلاص الدروس المستفادة من الهزيمة في معركة أحد، وتدور حول ذلك آخر 80 آية.

يبدأ القسم الأول بتجهيز فكري قبل الدخول في النقاش مع النصارى، وذلك بتثبيت عقيدة المسلمين :

(شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران : 18])

(فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران : 20])

وبدأ النقاش بالثناء على أنبيائهم :

(إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ [آل عمران : 33])

(وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ [آل عمران : 42])

وذكرهم بنقاط الاتفاق بينهم وبين المسلمين :

(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران : 64])

(قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [آل عمران : 84])

وناقشتهم بالحجج العقلية :

(إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ [آل عمران : 59])

(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّورَاةُ وَالإنجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [آل عمران : 65])

(هَاأَنتُمْ هَؤُلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [آل عمران : 66])

(مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ [آل عمران : 79])

وحذرهم من أن يكونوا على خطأ :

(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ [آل عمران : 70])

(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ [آل عمران : 71])

(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَاللّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ [آل عمران : 98])

(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنتُمْ شُهَدَاء وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [آل عمران : 99])

وأنهى الحوار نهاية راقية عادلة، فيها توضيح الفرق بين المعاندين والمنصفين :

(لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ [آل عمران : 113])

وختم القسم الأول بالتذكير بالثبات على المنهج :

(إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [آل عمران : 120])

أما القسم الثاني فيتحدث عن هزيمة أحد، ويعالج جراح المسلمين النفسية، ويستخرج العبر والعظات والدروس المستفادة :

(وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [آل عمران : 123])

ويرفع الروح المعنوية :

(وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [آل عمران : 139])

ولوم رقيق على الخطأ الأكبر الذي ارتكبوه وسط المعركة :

(وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران : 144])

(إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غُمَّاً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [آل عمران : 153])

ثم يعود فيرفع ثانية الروح المعنوية :

(ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [آل عمران : 154])

ثم يتحدث عن أسباب الهزيمة :

(وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران : 152])

ونجد طوال السورة آيات مبثوثة هنا وهناك تتحدث عن الثبات، وكأن الله يذكرنا بين كل حين وآخر ونحن نمضي مع السورة بالثبات :

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ [آل عمران : 102])

(وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران : 103])

(وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران : 105])

(وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [آل عمران : 146])

(الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران : 173])

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران : 200])

وهناك إشارات إلى أن الشهوة والمعصية هما أسباب عدم الثبات على المنهج :

(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ [آل عمران : 14])

(إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ [آل عمران : 155])

(أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران : 165])

ونجد كذلك آيات مبثوثة طوال السورة تخبرنا بعوامل الثبات، والتي يمكن تلخصيها في خمس نقاط رئيسية :

1 – اللجوء إلى الله :

(رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ [آل عمران : 8])

(رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ [آل عمران : 9])

(رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أََََََََََََََََنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران : 53])

(وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [آل عمران:147])

(الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران : 191])

(رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [آل عمران : 192])

(رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ [آل عمران : 193])

(رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ [آل عمران : 194])

2 – العبادات :

(كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [آل عمران : 37])

(فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ [آل عمران : 39])

(الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران : 191])

3 – الدعوة إلى الله :

(وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران : 104])

(كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ [آل عمران:110])

4 – الأخوة في الله :

(وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران:103])

(وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران:105])

5 – وضوح الهدف :

(الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران:191])

وسميت السورة بآل عمران لأن السيدة مريم رمز للثبات في العبادة والعفة وطاعة الله، وزوجة عمران رمز في الرغبة في نصر دين الله :

(إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [آل عمران:35]).

سورة النساء :

محور السورة يدور حول : أن العدل والرحمة هو أساس الاستخلاف في الأرض – لتكون مسئولاً عن الأرض أيها الإنسان يجب أن تكون – أولاً – عادلاً ورحيماً.

من أجل ذلك تتحدث السورة عن الضعفاء في المجتمعات البشرية : النساء واليتامى والعبيد والإماء والأقليات إلخ.

وأكثر مكان يجب أن يكون الإنسان عادلاً ورحيماً فيه هو بيته، لأن من لا يعدل في بيته لن يعدل في أي مكان آخر، لذلك تركز السورة على أحكام الأسرة والميراث وتفصل فيهما.

فتبدأ بالحديث بأن الرجل والمرأة من نفس الأصل، فلا يجب أن يتجبر بعضهم على بعض، والله يراقب ويرى الجميع :

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء : 1])

وبعدها مباشرة تتكلم الآيات عن اليتامى وعدم ظلمهم أو أكل أموالهم :

(وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً [النساء : 2])

ثم تتحدث عن عدم ظلم المرأة :

(وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً [النساء : 4])

ثم تضع تحذيراً شديداً لمن لا يعدل ولا يرحم اليتامى :

(إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً [النساء : 10]).

وهكذا تمضي الآيات في الحديث عن العدل والرحمة مع النساء ومع اليتامى، فتتكلم عن المواريث، ثم تضع تحذيراً شديداً آخر لمن لا يعدل ولا يرحم :

(تلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ{13} وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ{14}[النساء : 13-14]).

ثم تعود الآيات للحديث عن العدل مع المرأة مرة أخرى :

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهاً وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً [النساء : 19]).

(وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً{20} وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً{21}[النساء : 20-21]).

ثم يقول الله تعالى شارحاً لماذا يأمرنا بكل هذا :

(يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [النساء : 26])

(وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً [النساء : 27])

(يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً [النساء : 28]).

ثم تنتقل الآيات للكلام عن العدل في الأموال :

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً{29} وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيراً{30}[النساء : 29 – 30])

لكن هناك ضوابط وتوازن للعدل، فليس معنى العدل مع المرأة أن نتركها إذا حاولت إفساد الأسرة ، فيوضح الله هذه الضوابط :

(الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً [النساء : 34])

فالعدل أصل، لكن دون أن يطغى أحد على حق الآخر.

ثم عاد ليتحدث عن العدل والرحمة، ولكن في المجتمع كله :

(وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً [النساء : 36])

ثم أخذت الآيات تتكلم عن مشكلتين تعوقان عن العدل والرحمة، وهما البخل والرياء، فمن يبخل لن يعدل مع زوجته، ومن يرائي الناس سيتظاهر بالصلاح أمامهم ولكن في بيته لن يكون عادلاً رحيماً :

(الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً{37} وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَـاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاء قِرِيناً{38} وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ اللّهُ وَكَانَ اللّهُ بِهِم عَلِيماً{39}[النساء : 37 – 39]).

ثم تتحدث الآيات عن أعظم عدل، وهو عدل الله معنا :

(إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً [النساء : 40])

والنبي سيشهد على عدلنا وظلمنا يوم القيامة :

(فكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيداً{41} يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثاً{42}[النساء : 41-42])

وتعود الآيات لتأمر بالعدل بشكل مباشر لا لبس فيه :

(إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً [النساء : 58])

لكن الضعفاء بحاجة لمن يحميهم ويدافع عنهم، لا من يعدل معهم ويرحمهم فقط، لذلك تأتي الآيات لتقول :

(فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً. وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً [النساء : 74 – 75])

ثم تفصل الآيات في أحكام القتال والجهاد والدفاع عن الضعفاء، وقد جاءت هذه الآيات في سورة النساء لأن المرأة هي مصنع الرجال، ولأن المرأة مقاتلة في بيتها، فالمرأة التي تتزوج رجلاً يظلمها ولا يعدل معها تستشهد كل يوم في بيتها مائة مرة !.

وحتى أثناء الحرب يجب أن يكون هناك عدل ورحمة :

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً [النساء : 94])

ويوجه الكلام للمستضعفين أنفسهم، ألا يستكينوا ويرضوا بظلمهم :

(إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً [النساء : 97])

ثم يرينا الله بعضاً من أوجه رحمته بنا، كالتخفيف بقصر الصلاة في السفر :

(وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً [النساء : 101])

ثم تتحدث الآيات عن الأقليات غير المسلمة التي تعيش وسط المسلمين :

(إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً [النساء : 105])

(وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً [النساء : 112])

والسبب في ذلك أن بعض المسلمين سرقوا درعاً ثم ألصقوا التهمة بيهودي، وشهد بعض الناس أن اليهودي هو سارق الدرع، فنزلت هذه الآيات لتبرء اليهودي ولتضع للمسلمين مقياساً : أن العدل يكون مع المسلمين وغير المسلمين.

وأقوى العدل هو العدل الذي نقوم به حتى لو كنا سنتضرر من ذلك أو سيتضرر المقربين منا :

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً [النساء : 135]).

سورة المائدة :

بعد أن أعطتنا سورة البقرة المنهج الذي نسير عليه للقيام بالخلافة في الأرض، وبعد أن أخبرتنا آل عمران كيف نثبت على هذا المنهج، وبعد أن عرفنا من سورة النساء أننا لنسير على هذا المنهج يجب أن نكون عادلين رحماء مع غيرنا ومع المستضعفين، جاءت سورة المائدة ليكون محورها : الإلتزام والوفاء بميثاقنا مع الله.

فنجد السورة تمتليء بخطاب : “يا أيها الذين آمنوا”.

فتقول الآية الأولى من سورة المائدة :

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ [المائدة : 1])

وأول هذه العقود والمواثيق هو عدم الأكل سوى من طيبات الطعام :

(أحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ [المائدة : 1])

(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ [المائدة : 3])

(الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ [المائدة : 5])

وبعد الإنتهاء من طيبات الطعام انتقل إلى الحديث عن الطيبات من الأزواج :

(والْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [المائدة : 5])

وبعد الإنتهاء من طيبات الدنيا ومتعها، أحدث توازناً بالكلام عن طيبات الروح :

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [المائدة : 6])

وكل عدة آيات يذكرنا بالوفاء بعهد الله :

(وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ{7} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ{8}[المائدة : 7-8])

ويلفت انتباهنا إلى أن الله سيوفي بعهده معنا، أفلا يجب أن نوفي بعهدنا معه ؟ :

(وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ{9} وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ{10}[المائدة : 9-10])

ثم يتحدث عن بني إسرائيل كنموذج لأشخاص نقضوا عهدهم مع الله :

(وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقَالَ اللّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ{12} فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ{13}[المائدة : 12-13])

وكذلك النصارى :

(وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ [المائدة : 14]).

ويبدأ في مناقشة هذين الطرفين مبيناً لهما وللمؤمنين كيف أنهما خانوا عهد الله ولم يوفوا بميثاقه :

(لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ{17} وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ{18} [المائدة : 17-18])

وأن الله أرسل لهم رسوله ليردهم إلى جادة الصواب :

(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ{15} يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ{16}[المائدة : 15-16])

(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [المائدة : 19])

ثم ينتقل للتفاصيل، فيذكر بني إسرائيل بالمواقف التي تخاذلوا فيها ولم يوفوا بالتزامهم مع الله :

(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكاً وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن الْعَالَمِينَ{20} يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ{21} قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ{22} قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ{23} قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ{24} قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ{25} قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ{26}[المائدة : 20-26])

ونموذج آخر لنقض العهود قصة ابني آدم الذي قتل أحدهما الآخر :

(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ{27} لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ{28} إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ{29} فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ{30} فَبَعَثَ اللّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ{31}[المائدة : 27-31])

ونلاحظ أن النموذج الأول كان لأشخاص نقضوا العهد لأنهم جبناء، بينما في القصة الثانية – قصة ابني آدم – نقض العهد لأن ابن آدم كان متسرعاً متهوراً فقتل أخيه. فهذين سببين لنقض العهود : الجبن والتهور.

ثم يوجه الله خطابه للمؤمنين شارحاً لهم الوسيلة التي تعينهم على الإلتزام والوفاء بالعهود :

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة : 35])

ثم تنتقل الآيات للحديث عن أنواع جديدة من العهود والمواثيق التي يجب على المسلمين الإلتزام بها :

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [المائدة : 51])

وهذه الآية لا تحوي إساءة لأهل الأديان الأخرى، فمنذ قليل كانت الآيات تتحدث عن جواز الزواج من المحصنات من أهل الكتاب، وليس معناها عدم التسامح، لكن هناك فرق بين التسامح والمعاملة الحسنة، وبين التقليد الأعمى، فهذه الآيات تقرر أن المسلمين يجب أن تكون لهم هوية مستقلة.

وإذا لم تكونوا مستعدين للقيام بالتزامكم مع الله والوفاء بمواثيقه، وستنقضون عهده، فسوف يقوم آخرون أفضل منكم بذلك :

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [المائدة : 54])

والجميل في هذه الآية أنه لا يوجد تهديد أو إجبار، وإنما هناك استبدال : من سينقض العهد فسنأتي بمن يفي به.

وتستمر الآيات مناقشة من نقضوا العهود من الأمم السابقة، فتوضح أخطاءهم التي أدت إلى عدم التزامهم بميثاقهم مع الله، فتقول على سبيل المثال :

(وقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [المائدة : 64])

(لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ{72} لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ{73} أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ{74} مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ{75}[المائدة : 72-75])

وتستمر في وضع العهود والمواثيق للمسلمين، والتأكيد على وجوب الإلتزام بها، فتذكر على سبيل المثال :

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [المائدة : 87])

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة : 90]).

ثم يضع الله ضابطاً للمؤنين لإحداث التوازن، وهو عدم التشديد على أنفسهم، فليس معنى الحرص على الإلتزام والوفاء بالمواثيق التشديد على أنفسنا :

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللّهُ عَنْهَا وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ [المائدة : 101])

وضابطاً آخر هو أن نوفي بعهد الله حتى لو نقضه جميع الناس :

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [المائدة : 105])

وهكذا نجد أن هذه السورة تكلمت عن العهود والمواثيق، في الأكل والشرب والزواج والحدود (حد السرقة والحرابة) وتحكيم شرع الله والتقليد الأعمى والشهادات والوصايا إلخ.

وفي نهاية السورة نجد الآية الكريمة التي تقول :

(يَوْمَ يَجْمَعُ اللّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ [المائدة : 109])

بمعنى أن الله سيسأل يوم القيامة عن وفائنا والتزامنا بالعهود والمواثيق التي أخذها علينا.

وتأتي الآية الأخيرة لتتحدث عن الجزاء الأخير لمن يصدق مع الله ويوفي بالمواثيق :

(قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ{119} لِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ{120}[المائدة : 119-120])

وسميت السورة بالمائدة، لأن الحواريين كانوا قد طلبوا من عيسى عليه السلام أن ينزل عليهم مائدة من السماء كآية تطمئن بها قلوبهم، فقال الله سبحانه وتعالى :

(قَالَ اللّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ الْعَالَمِينَ [المائدة : 115])

بمعنى أنكم – بعد أن طلبتم آية معينة بشروط معينة – إن كفرتم ونقضتم عهدكم معي ستكون العاقبة وخيمة جداً. فالمائدة ترمز لعهد الله الذي يجب الوفاء والإلتزام به.

سورة الأنعام :

المحور الأساسي الذي تدور حوله السورة : توحيد الله توحيداً خالصاً في الاعتقاد والتطبيق، عن طريق النظر إلى قدرة الله وعظمته في الكون. وهي تواجه المشركين والملحدين والمشككين.

وتتكون السورة من آيات متدفقة تتكلم عن قدرة الله وعظمته، ويتلو كل آية مواجهة مع المشركين والملحدين بتساؤل : كيف تشركون بالله الذي فعل وصنع ذلك ؟. فالسورة منتظمة بهذا الشكل : آية وقدرة الله – مواجهة للمشككين.

فالآيات الثلاث الأولى – كما قلنا – تتكلم عن قدرة الله وعظمته :

(الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ. هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ. وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ [الأنعام : 1 – 3]). قدرة الله وعظمته.

ثم الآيات التي تتلوها تواجه المشركين والملحدين والمشككين :

(ومَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ. فَقَدْ كَذَّبُواْ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنبَاء مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ. أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَاراً وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ. وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ. وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ. وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ. وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ. قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [الأنعام : 4 – 11] ). مواجهة للملحدين والمشككين.

ثم تعود الآيات مرة أخرى لبيان قدرة الله وعظمته :

(قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُل لِلّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ. وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الأنعام : 12 -13 ]) قدرة الله وعظمته. الآية الأولى تتكلم عن أنه ملك المكان – السماوات والأرض – والآية الثانية تتكلم عن أنه ملك الزمان – الليل والنهار.

ثم تتلوها بآيات تواجه المشركين والملحدين والمشككين وتناقشهم :

(قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ قُلْ إِنِّيَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ. قُلْ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ. وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ [الأنعام : 14 – 17] ) مواجهة الملحدين والمشككين.

فالسورة تطوف بنا، تأخذنا إلى الليل والنهار، أقطارالسماوات والأرض، الجبال، النجوم والكواكب، الحب والنوى، علم الغيب إلخ.

وهكذا تسير السورة من أولها لآخرها، آية أو آيات تتحدث عن قدرة وعظمة الله، تتلوها آية أو آيات تناقش الملحدين والمشككين بعد آيات القدرة والعظمة.

وفي وسط ذلك تأتي قصة إبراهيم عليه السلام في دعوته لقومه، متناسقة مع هدف السورة وأسلوبها، إذ تبدأ القصة برؤية وإدراك إبراهيم لقدرة الله في الكون :

(وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ{75} فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ{76} فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ{77} فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ{78} إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ{79}[الأنعام : 75 – 79] )

ويتلو ذلك – في القصة – مواجهته لقومه بنفس الأسلوب الذي تتبعه السورة في مواجهة المشركين والملحدين بعد بيان قدرة الله :

(وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ. وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ. الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ. وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [الأنعام : 80 – 83])

لماذا سميت السورة بالأنعام ؟. ورد ذكر الأنعام في قوله تعالى :

(وَجَعَلُواْ لِلّهِ مِمِّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـذَا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـذَا لِشُرَكَآئِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللّهِ وَمَا كَانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَآئِهِمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ{136} وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ{137} وَقَالُواْ هَـذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نّشَاء بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاء عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ{138} وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاء سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حِكِيمٌ عَلِيمٌ{139}[الأنعام : 136 : 139]).

كان العرب في الجاهلية يمارسون الكثير من التشريعات الغريبة السخيفة وينسبونها إلى الله. من ذلك أنهم يقسمون الأنعام والزروع التي يملكونها – الثروة الحيوانية والنباتية – إلى قسمين، قسم لله وقسم آخر لما يعبدونه من أصنام، ويفصلون في ذلك تفاصيل كثيرة توردها الآيات. فكانت الأنعام مظهراً من مظاهر الشرك والوثنية التي يمارسونها، لذلك جاء اسم السورة – التي يدور محورها الأساسي حول التوحيد – باسم الأنعام كرمز للشرك الذي كان يمارسه الكفار في الجاهلية.

ثم تأتي نهاية السورة موافقة ومؤكدة على هذا المعنى، معنى التوحيد الخالص لله، وأن كل شيء في حياتي ومماتي لله :

(قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ{161} قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ{162} لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ{163} قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ{164} وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ{165}[الأنعام : 161 – 165]).

سورة الأنعام تنتهي عند منتصف الجزء الثامن، أي أننا مضينا خلال سبعة أجزاء ونصف، مما يعني أنك أصبحت الآن تعرف عمّ يتحدث ربع القرآن.

لاحظ أنني لم أذكر سوى الإطار العام الذي تدور حوله الآيات وارتباطها ببعضها، ولم أدخل بك في بحار تفسير الآيات ولماذا جاءت هذه هنا، ولماذا جاءت هذه قبل تلك إلخ.

ثامناً : أنت تقول أن معلومات القرآن مستقاة من الأديان السابقة ومن الفلسفة اليونانية :

المفروض أن كلامك هذا يعني أن الرسول محمد بن عبد الله كانت لديه مصادر مسيحية أويهودية أو يونانية صاغ منها شريعته وقرآنه. لو أنك قرأت القرآن وحاولت التعرف على الشريعة الإسلامية لوجدت أنه لا علاقة لهما بتاتاً بالفلسفة اليونانية، ناهيك عن أن الفلسفة اليونانية لم تدخل جزيرة العرب سوى في العصر العباسي مع نشاط حركة الترجمة، ومن المضحك فعلاً أن نتخيل أن العرب البدو كانت لديهم أي صلة من أي نوع بالفلسفة اليونانية، خصوصاً وأن هذه الفترة من التاريخ كانت بمثابة عصور الظلام للفلسفة بشكل عام بسبب الكنيسة الكاثوليكية في روما

إذن يتبقى لدينا من ادعاءاتك بخصوص مصادر القرآن الديانتين اليهودية والمسيحية. والتاريخ يخبرنا أنه بالفعل كان هناك بين العرب مسيحيين ويهود، حيث تركزاليهود في يثرب – التي ستصبح فيما بعد المدينة المنورة – وخيبر واليمن، وتمركز المسيحيون في نجران وشمال الجزيرة العربية. إنه إذن ادعاء جدير بالنظر فيه. السؤال الآن : هل قرأ محمد التوراة أوالإنجيل؟. بالقطع لا !. لماذا ؟ التوراة والإنجيل في هذه الفترة كانتا مدونتين بالسريانية والعبرية واللاتينية، لكن لم تكن هناك أي نسخ بالعربية. وكما هو معروف تاريخياً؛ فمحمد لم يكن يجيد أي لغات أخرى غير العربية، وحتى العربية لم يكن يستطيع الكتابة أو القراءة بها، فما بالك باللغات الأخرى. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه المحكم :

( وما كنت تتلو من قبله من كتابٍ أو تخطه بيمينك، إذا لارتاب المبطلون [العنكبوت : 48] )

إذن الوسيلة الوحيدة لإثبات ادعاءك – أنه استقى القرآن من الأديان الأخرى – ستكون من خلال التقائه برهبان من رهبان النصارى أو أحبار من أحبار اليهود وأخذه عنهم بشكل شفوي. فهل حدث هذا فعلاً ؟.

التاريخ يقول أنه محمد حينما كان في سن الثانية عشر من عمره خرج في قافلة تجارة مع عمه أبي طالب، وقرب الشام نزلت القافلة قرب دير للنصارى، كان يرأسه راهب طاعن في السن يدعى بحيرى، وتستمر الرواية التاريخية فتقول أن الراهب بحيرى رأى محمد الصغير ووجد فيه علامات معينة، عرف منها أنه سيصبح نبياً، وحذر عمه أبا طالب من أن اليهود لو رأوا الصغير فقد يؤذونه، وأن ابن أخيه سيكون له شأن في المستقبل إلخ، فقفل أبو طالب عائداً مع ابن أخيه بعد تحذير الراهب. هذه هي الرواية التاريخية الوحيدة التي تتحدث عن لقاء محمد بأحد من علماء الأديان الأخرى قبل بدء رسالته، ولا توجد ولن تجد أي روايات أخرى حول هذا الموضوع. فهل الدقائق القليلة التي قضاها طفل في الثانية عشر من عمره مع راهب من رهبان النصارى كافية كي يعرف هذا الطفل معلومات يستطيع من خلالها كتابة كتاب كامل مليء بالقصص والشرائع والأوامر والنواهي والأحكام إلخ ؟.

من المستحيل أن يكون محمد الصغير في هذه الدقائق القليلة قد حصل على هذا القدر الهائل من المعلومات !

بعد ذلك ستبدأ الافتراضات – التي ليس لها أساس سوى الهوى – لكن فلنمض مع هذه الافتراضات إلى النهاية. سنفترض – كما يقول كثيرون من أمثالك – أن محمداً عاد إلى بحيرى الراهب فيما بعد حينما أصبح شاباً. هل هذا ممكن ؟ بحيرى الراهب حينما التقاه محمد الطفل كان قد بلغ من الكبر عتياً، وبعض المصادر تقول أنه توفي بعدها بسنين قليلة، فهل سيجده محمد الشاب ما زال حياً ثم يتتلمذ على يديه ويأخذ منه المعلومات الكافية عن الأديان الأخرى ليؤسس ديانته الخاصة ؟. لنفترض أن بحيرى كان لا يزال حياً، أو لنفترض أن محمداً التقى براهب آخر غير بحيرى، جلس إليه وأخذ منه العلم. المعلومات التي لدينا تقول أن محمداً لم يغادر مكة سواءً في طفولته أو شبابه سوى في قوافل التجارة، حيث يرافقه الكثير من أبناء بلده مكة ليل نهار. لو افترضنا أن محمداً اعتاد في رحلات تجارته أن يترك أصحابه ويجالس رهبان النصارى، هذه الجلسات مع رهبان النصارى لأخذ العلم والمعلومات؛ هل كانت تستمر لدقائق ؟ هل نجح محمد في تلفيق شريعة كاملة بناءً على جلسة أو جلستين استمرت لدقائق ؟ بالتأكيد لا ! لا بد أنه جلس ساعات وساعات إلى رهبان النصارى يتحدث إليهم ويسألهم ويأخذ منهم وعنهم. ألم يكن ذلك سيصبح أمراً معروفاً عنه وسط أصحابه وأبناء بلده الذين يرافقونه في التجارة ؟ بمعنى أن القرشيين سيعرفون أن محمداً بن عبد الله هو شخص اعتاد الجلوس مع رهبان النصارى لعدة ساعات وبشكل مستمر في كل رحلة وبشكل ملحوظ، وسيصبح ذلك سمعة ملتصقة به فيما بعد ؟ أم أنه كان يتسلل ليلاً إلى مضارب رهبان النصارى بعد أن يتأكد من نوم كل رفاقه ؟ وحتى لو كان يتسلل ليلاً، ألم يكن أحد من رفاقه سيلاحظ ذلك ولو لمرة ؟ ألم يكن سيظهر عليه اهتمامه بالديانة المسيحية أو اليهودية ؟.

الخلاصة أننا مهما افترضنا من افتراضات سنجد أنه من المستحيل على محمد أن يجالس رهبان النصارى ويأخذ عنهم شفهياً دون أن يلفت ذلك أنظار وانتباه رفاقه في رحلات وقوافل التجارة، بحيث يصبح هذا الأمر مشهوراً معروفاً عنه في الأوساط العربية. ولو كان الأمر كذلك لماذا حينما بدأ محمد بنشر دعوته لم يبادر كفار مكة وكبرائها بمواجهته بأن ما يدعو إليه من أمور هي أشياء استقاها من مجالسته الطويلة لرهبان النصارى ؟ لقد كانت دعوة الإسلام تشكل كابوساً لأهل مكة، كانوا يخشون على أبنائهم وأقاربهم من الاقتناع بها واتباعها، وكانوا يبررون قدرتها على الإقناع واجتذاب المزيد من الأتباع بأنها سحر يفرق بين الرجل وزوجته وبين الابن وأبيه، وكانوا ينتشرون في الأسواق يحذرون الأغراب والزوار من الاستماع لمحمد ولكلامه، وفي إحدى المراحل دخلوا معه في مفاوضات طويلة مفادها أنهم مستعدون لإعطائه ما يريد، ملكاً أو مالاً أو جاهاً وسلطاناً، أو حتى عبادة إلهه بشكل جزئي، لكنه رفض كل هذه العروض ولم يقبل بأقل من أن يعتنقوا الإسلام بلا قيد أو شرط. لماذا لم يبادر هؤلاء إلى محمد فيقولوا له : أنت كنت تكثر من الجلوس مع رهبان النصارى وها أنت الآن تخترع ديناً جديداً مما سمعته منهم !. لماذا احتاروا طويلاً في مصدر القرآن، هل هو من كلام الجن أم هو من كلام الكهان أم هو سحر إلخ ؟ لماذا لم يقولوا لمحمد مباشرة ويعلنوا أمام الجميع : نحن نعرف من رحلاتك القديمة أنك كنت تجالس رهبان النصارى وتستمع إليهم وها أنت ذا تؤلف من كلامهم كتاباً تزعم أن الله أنزله عليك !. لماذا ؟. الحل المنطقي الوحيد أنهم ببساطة لم يسمعوا ولم يروا ولم يجدوا محمداً يجلس أبداً مع رهبان النصارى ولا أحبار اليهود، هؤلاء الذين قلنا أن جلسة أو اثنتين أو حتى عشرة معهم غير كافية مطلقاً كي يخرج محمد منها بكل ما يحويه الإسلام من شريعة وشعائر وعبادات.

يقول الدكتور ساسي سالم الحاج :

“إن زعمهم بأن الرسول الكريم قد تلقى تعاليمه الدينية عن بحيرى الراهب، هو قول عار من الصحة، ذلك أنه لم يكن لهذا الراهب أثر فى التاريخ لو لم يذكره مؤرخو السيرة النبوية. وأجمع هؤلاء المؤرخون على أن هذا الشخص هو راهب متبتل عاش فى ديره على أطراف الجزيرة العربية مثل بقية زملائه الذين اتخذوا من هذه الأماكن القصية ملاذاً لهم، وكان ديره يقع فى طريق تجارة قريش إلى الشام، وكثيراً ما تأوى هذه القوافل التجارية إلى ديره للراحة من وعثاء السفر، فيضيفها، ويزودها بالماء القراح.

لكن المستشرقين أولوا هذه الأخبار وذهبوا بها مذاهب شتى منها : أن الرسول كان يتردد على هذا الراهب إبان سفره للتجارة عندما أصبح شاباً، وأنه استقى منه العديد من الحكم والمعارف الدينية، وأنه كان أحد مصادره لتأليف القرآن الكريم. ويتبين خطأ هذا الرأى من عدة وجوه منها :

أن الرسول لم ير بحيرى إلا مرة واحدة وللحظات بسيطة وهو طفل صغير، ولا يعقل أن يستقي منه شيئاً من المعارف والمعلومات فى هذه الفترة الوجيزة وفى هذه السن اليافعة، وثبت أن الرسول لم يسافر للتجارة إلا مرة واحدة بعد أن أصبح شاباً، وذلك عندما استأجرته خديجة لتجارتها. واتفقت الرويات على عدم مروره ببحيرى هذه المرة ولم يشر الإخباريون ومؤرخو السيرة إطلاقاً إلى عودة الرسول إليه مرة ثانية. وإذا صدقنا برواية التقاء الرسول ببحيرى رفقة عمه أبى طالب فإن الإحداث تنبئنا بأنه عاد إلى التجارة وهو قريب السن من الخامسة والعشرين لأنه تزوج بخديجة فى هذا العمر، أي بعد عودته من تجارته بالشام فيكون بحيرى قد قضى نحبه خلال هاتين الفترتين.

والأسئلة التى لا إجابة عنها من قبل المستشرقين عن هذا التأثير تتحدد فى الأمور التالية : كيف يتأثر الرسول بهذا الراهب وقد رآه والتقى به مرة واحدة وهو فى الثانية عشرة من عمره ؟

كيف يتسنى له أن يتلقى منه المعارف والقصص، والأحكام والمواعظ، والأوامر والنهى الواردة فى القرآن الكريم وهو يمر بهذا الراهب مرور الكرام حتى ولو افترضنا التقاءه به مرة ثانية ؟

وكيف لا يلاحظ مرافقوه من تجار قريش التقاء الرسول به، والمكوث معه أياماً وليالى طويلة، وهو يغترف من معين هذا الراهب العلمي ؟.

وكيف يتسنى له ذلك وهو أمي لا يتمكن من تسجيل تلك المعلومات وتدوينها للإستعانة بها فى تأليف كتابه ؟”.

ويذهب الدكتور أنور زناتي إلى نفس هذا القول إذ يقول رداً على الإدعاء بأن الرسول أخذ العلوم على يد بحيرى الراهب :

“أولاً : إنّ النبي وباتِّفاق جميع المؤرّخين كان أُمِّياً، لا يعرف القراءة والكتابة، فهل يمكن أن يعقل من صبي لم يتجاوز عمره أربعة وعشرين عاماً، وفي سفرة محدودة أن يفهم حقائق التوراة والإنجيل، ومن ثم يقوم بصَبِّ هذه الحقائق في سن الأربعين بشكل شريعة سماوية متكاملة ؟

بالطبع إنّ مثل هذا الأمر يعتبر أمراً خارقاً للعادة، وربما إذا أخذنا بنظر الاعتبار مقدار الاستعداد البشري فيمكننا أن نعتبره من المُحالات.

ثانياً : إنّ سفر النبي كان سفراً لأغراض تجارية، ولم يستغرق – ذهاباً وإياباً – أكثر من أربعة أشهر.

والمعروف أن لقريش رحلتان، رحلة الشتاء إلى اليمن، ورحلة الصيف إلى الشام، وعلى هذا الترتيب لا يمكن أن يعقل حتى لأكبر عالم في الدنيا أن يتعلّم التوراة والإنجيل بهذه المدة القصيرة، فكيف لصبي مثل النبي، لا يقرأ ولا يكتب.

ولم يرافقه راهب في السفر بين مكّة والشام سوى بحيرا الذي صادفه في إحدى منازل الطريق، ولم يقضِ معه إلاّ بضع ساعات.

ثالثاً : تؤكّد النصوص التاريخية على أنّ عمَّ النبي أبو طالب كان يريد منه مرافقته إلى الشام.

ولم تكن ( بصرى ) هي النقطة النهائية في الطريق، وإنّما كانت منطقة استراحة تقع في الطريق بين مكّة والشام، وتتوقّف فيها أحياناً بعض القوافل للاستراحة، ثم تواصل مسيرها.

فكيف استطاع النبي تعلُّم التوراة والإنجيل في فترة الاستراحة التي لا تتجاوز بضعة ساعات ؟!

ولو فرضنا أنّ أبا طالب أخذ النبي إلى الشام، أو عاد به إلى مكة قبل الموعد المقرر، أو أن النبي عاد إلى مكة مع شخص آخر.

فهذه الفرضية لا تصح، لأن هدف الرحلة وهدف أبو طالب لم يكن منطقة بصرى، لكي تكون منطقة استراحة يستطيع من خلالها النبي تحصيل المعارف.

رابعاً : لو كان النبي قد تعلم عند الراهب في بصرى، لكان هذا الأمر شائعاً، ومن المسلمات بين أوساط قريش في مكّة بعد العودة من السفر.

علماً أنّه لم نسمع بأحد قال للنبي: يا محمد، أنت تعلَّمت في سن الثانية عشر من عمرك في بصرى، عند الراهب بحيرا، وتعلَّمت كثيراً من الأسرار السماوية من عنده.

وكما نعلم أنّهم ألحقوا بالنبي كثيراً من التهم، ودقَّقوا في القرآن كثيراً لكي يجدوا دليلاً يحتجون به على النبي.

حتّى أنّهم شاهدوه يجلس مع غلام مسيحي في المروة – مكان في مكّة – فانتهزوا الفرصة، وقالوا بأنّ النبي يأخذ تعاليمه من هذا الغلام.

وهذه التهمة عبَّر عنها القرآن الكريم قائلاً : ( وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ [ النحل : 103].

وخلاصة القول : أنّ قريش لم تدَّعِ ذلك مطلقاً، وهذا خير دليل على أن هذا الادِّعاء جاء به المستشرقون.

خامساً : إذا كان راهب بصرى بهذه الدرجة من الاطِّلاع بالعلم والدين، بحيث أنّ النبي استطاع أن يغيِّر بهذه المعلومات التي اكتسبها منه مجتمع الجزيرة العربية، فذاع صيته في الشرق والغرب، فلماذا لم يشتهر هذا الراهب مثله، وهو معلِّمه الأوّل كما يدَّعون ؟! “.

ثم لماذا يأتي محمد بالقرآن من عند نفسه ثم يدعي أنه كلام الله أنزله إليه ؟.

من أجل تكوين ملك ودولة ؟

طوال سيرة حياة الرجل لا نجد موقفاً واحداً حاول فيه أن يتزعم أو يتملك أو يحصل على الجاه والسلطان، بالعكس، كما يروي لنا التاريخ؛ كانت عيشته زاهدة تماماً، وكان يمر الشهر والشهرين دون أن توقد فيه بيته نار موقد الطبخ، بل كان يعيش على أكل التمر. ولم يكن يستأثر برأي دون أصحابه أبداً، كان يشاورهم في كل كبيرة وصغيرة، بل وينزل على رأيهم، في معركة بدر حينما أمر الجيش بأن يعسكر قبل آبار الماء أخبره أحد أصحابه أن هذا ليس بمنزل وأن الأفضل أن يعسكروا بعد الآبار كي يصبح الماء معهم، فنزل محمد على رأيه وحرك الجيش لينزل بعد آبار الماء كما أشار عليه الرجل، ولم ينسب الفكرة لنفسه بل نسبها لصاحبها. وفي معركة أحد كان يريد التحصن في المدينة وملاقات العدو داخلها ليحاربه حرب عصابات، ولكن رأي الأغلبية كان الخروج لملاقاتهم خارج المدينة، فنزل على رأي الأغلبية المتحمسة رغم عدم رضاه عنه. وفي معركة الأحزاب استشار من معه فأشار عليه شاب أعجمي فارسي اسمه سلمان الفارسي بأن يحفروا خندقاً حول المدينة، ولم تكن العرب تعرف شيئاً كهذا، فقام بتنفيذ فكرة هذا الشاب – دون تعصب عرقي – وسخر طاقات الجيش كله لتنفيذها، ونسب الفكرة لسلمان، رغم أنه كان قادراً على أن ينسبها لنفسه.

كانت الأموال تأتيه من كل مكان فكان يوزعها على المسلمين ولا يبقي لنفسه منها شيئاً، وكان ينام على الحصير، ويقول لمن حوله : إنما أنا بشر أخطيء وأصيب، فإذا أخطأت فصوبوني !.

هل هذا ملك ؟

يقول الكاتب اليهودي توماس كارليل في كتابه “محمد المثل الأعلى :

“لم يكن محمد من الساعين نحو إشباع رغباتهم الشخصية، لكن الأعداء اتهموه بذلك ظلماً وعناداً، لقد كان محمد زاهداً في ملبسه، ومأكله، وسكنه، وفي جميع جوانب حياته، وكان كثيراً ما يكتفي بالخبز والماء، ولعل الشهور تمضي وهو لا يضع على النار قدراً، أليس من الظلم والتعسّف أنّ يقوم البعض باتهامه، بأنه كان يسعى نحو إشباع رغباته وملذاته الدنيوية”.

إذن لماذا سيجيء محمد بالقرآن من عنده ويدعي أنه من عند الله ؟

هل لأنه رأى قومه في ضلال ووثنية فأراد أن يغير حالهم ووجد أن المجيء بدين جديد من اختراعه سيكون أسرع طريق لذلك ؟.

التاريخ يقول لنا عن شخصية الرجل أنه كان صادقاً أميناً لا يكذب ولو مازحاً. أعداؤه قبل أصدقائه اعترفوا له بذلك. لدرجة أنه حينما أراد الهجرة إلى المدينة، قبل أن يقتله الكفار، أمر ابن عمه علي أن يظل في مكة كي يرد الأمانات التي لديه إلى أصحابها، وكان أغلبهم من الكفار! كانوا على عداء عقائدي معه، يعادونه ويؤذونه ويخططون لقتله، ومع ذلك يضعون أماناتهم عنده لأنه شخص مؤتمن !. هل شخصية بهذا الصدق وهذه الأمانة – التي لا يتخلف عليها اثنان من الأعداء طوال سرد التاريخ – هل مثل هذا الشخص لو أراد أن يغير حال قومه، ومع ما يتخلق به من صدق وأمانة، هل سيدعي كذباً أن الله أوحى له وأنزل عليه كتاباً من السماء ؟ يصدق مع قومه ومع أعدائه وأصدقائه في كل كبيرة وصغيرة ثم يكذب عليهم هذه الكذبة الكبيرة؟ هل يعقل هذا وهل يتسق مع شخصيته ؟ مستحيل !. الأكثر منطقية أن يأتي بالمباديء والأفكار التي يؤمن بها ويعرضها على قومه باعتبار أنها أفكاره، ويقدم نفسه لهم باعتبار أنه مصلح ومفكر، كغاندي وكونفوشيوس وسقراط وغيرهم، وليس نبي ورسول. إلا طبعاً لو كان فعلاً نبي يوحى له من السماء !.

هل كان مريضاً نفسياً يتوهم بأشياء ويصاب بالصرع ؟.

يقول دكتور أنور زناتي في كتابه “معجم افتراءات الغرب على الإسلام” رداً على هذا الإدعاء :

“1 – إن النبي صلى الله عليه و سلم بشهادة الأعداء قبل غيرهم كان يتمتع ببنية جسمانية قوية، وأوصافه التي تناقلها الرواة تدل على البطولة الجسمانية. والمصاب بالصرع لا يكون على هذه القوة.

2 – إن المريض بالصرع يصاب بآلام حادة في كافة أعضاء جسمه، يحس بها عندما تنتهي نوبة الصرع، ويظل حزيناً كاسف البال. وكثيراً ما يحاول مرضى الصرع الانتحار من قسوة ما يعانون من الآلام. فلو كان ما يعتري النبي صلى الله عليه و سلم عند الوحي صرعاً، لحزن لوقوعه ولسعد بانقطاعه، ولكن الأمر بخلاف ذلك.



3 – إن الثابت علمياً أن المصروع أثناء الصرع يتعطل تفكيره وإدراكه تعطلا تاماً. فلا يدري المريض في نوبته شيئاً عما يدور حوله، ولا ما يجيش في نفسه، كما أنه يغيب عن صوابه. والنبي صلى الله عليه و سلم بخلاف هذا كله كان يتلو على الناس، بعد انتهاء لحظات نزول الوحي، آيات بينات وعظات بليغات، وتشريعاً محكماً، وأخلاقاً عالية، وكلاماً بلغ الغاية في الفصاحة والبلاغة، فهل يعقل أن يأتي المصروع بشيء من هذا، اللَّهم إن هذا لا يجوز إلا في حكم من لا يميز بين الأبيض والأسود، والليل والنهار.

4 – ولا يخفى أن المتشبثين بفرية الصرع هذه لا ينالون من نبوة صلى الله عليه و سلم وحده، وإنما ينالون من جميع أنبياء اللَّه ورسله الذين كانت لهم كتب أو صحف أوحي بها من عند اللَّه. فهل يقولون عن نبيي اللَّه موسى وعيسى ما يقولون في خاتم الأنبياء، إن هذا الادعاء لا ينطق به إلا أحد رجلين : رجل مادي حبس نفسه بين أسوار العالم المادي المحسوس، أو رجل مخرب يريد هدم الأديان كلها.

يقول محمد رشيد رضا بأن الذي يصاب بالصرع حقيقة يفقد وعيه فإذا أفاق لا يذكر من تلك الفترة شيئا،ولكن الوحي الذي كان يجيء نبينا محمداً لا يذهب حتى يكون قد وعى وحفظ ما أوحي إليه به، ويضيف رشيد رضا بان المصاب بالصرع لا يمكن أن يأتي بدين ورسالة إلى العالم، ثم إن الوحي لم يكن دائما بالصورة التي تشبه الغيبوبة بل كان يأتي في الواقع كثيرا والرسول في يقظة تامة، ويلخص ساسي الحاج هذه القضية بقوله “إن الصرع يعطل الإدراك الإنساني وينزل بالإنسان إلى مرتبة آلية يفقد أثناءها الشعور والحس، أما الوحي فهو سمو روحي اختص الله به أنبياءه ليلقي إليهم بحقائق الكون اليقينية العليا كي يبلغها للناس، وقد يصل العلم إلى إدراك بعض هذه الحقائق ومعرفة سننها وأسرارها بعد أجيال وقرون، وقد يظل بعضها لا يتناوله العلم، ومع ذلك فتبقى حقائق يقينية يهتدي بها المؤمنون الصادقون”.

ويقول رداً على تهمة اقتباس القرآن من الكتب السماوية السابقة :

“ومن المعلوم أن أول ترجمة عربية للتوراة كانت بعد ظهور الإسلام بقرن من الزمان، حيث كان أسقف أشبيلية يوحنا أول من ترجم التوراة إلى العربية عام 750 م، ثم ترجمها سعدية بن يوسف عام 942م، وكتبها بأحرف عبرية، ثم كتبها يافث بن علي في أواخر ذلك القرن بأحرف عربية.

و يعجب المرء كيف ينسب للنبي صلى الله عليه وسلم الاطلاع على كتب لم يكن بمقدور الأحبار و الرهبان في ذلك الزمان أن يطلعوا عليها كاملة، بل كيف يقال بأنه أخذ من الأناجيل غير القانونية التي اختفت في بلاد المسيحية، و إن كشفت الدراسات و عمليات تنقيب الآثار عن بعض هذه الكتب في هذا الزمان، و لكن كيف لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصل إليها قبل قرون و في بلاد لا تعير لكتب أهل الكتاب أدنى اهتمام.

والدارس المتفحص لا يجد فى القرآن الكريم أية ملامح يهودية؛ فليس فيه تفضيل لشعب على شعب كما قال بنو إسرائيل بأنهم “شعب الله المختار”، ولكن الإسلام سوّى بين الخلق جميعاً قال تعالى : (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم [الحجرات :13] ) .

وليس فى القرآن أبداً ما يرفع شأن محمد عن عالم البشر أو تأليهه كما قالت بذلك بعض الجماعات المسيحية بالنسبة للمسيح، ولو كان هناك تأثير للمسيحية لتسرب الى الإسلام أهم مبدأ مسيحى وهو تأليه محمد كما ألًّه عيسى عليه السلام.

ونستعرض معاً النقاط التالية :

1– أن وحدة المصدر الالهي تجعل من الممكن وجود تشابه القصص القرآني مع القصص التوراتي .

2– إن المقارنة بين القصص القرآني والقصص في الكتب السابقة توضح مدى التحريف الذي تعرضت له الكتب السابقة، فهم يرمون القرآن بالأخذ منهم حتى يداروا ما بكتبهم من تحريف، فالقصص المذكورة في الكتب السابقة يطغى عليها الجانب المادي والصنعة البشرية التي تهتم ببعض التفاصيل والجزئيات التي لا تظهر في القصص القرآني، كما إن كتابة هذه القصص في الكتب السابقة تحوي صوراً فاحشة لا يليق أن يكون مثلها في الكتب المقدسة على عكس القصص القرآني المعجز.

ولك أن تقارن بنفسك بين قصة يوسف عليه السلام في التوراة والقرآن لتري وتسمع الفرق الواضح بدون وسيط .

3– أن الرسول كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، ولم يثبت له صلة باليهود أو النصارى في مكة قبل البعثة فكيف يتأتى له أن يأخذ منهم، فقد ورد في القرآن الكريم الرد على هذه المزاعم حين زعم كفار قريش أن الرسول كان يعلمه غلام نصراني وهو قوله تعالى :
(وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ )

فكيف يمكن للأعجمي أوالرومي أوالفارسي أواليهودي أوالنصراني أن يعلم العربي ويأتيه بقرآن عربي مبين عجز العرب عن الإتيان بمثله !! .

إن هذه الافتراءات لشيء عجاب لا تصدر عن شخص يحترم عقله وعلمه وأبحاثه، لكن الحقد يعمي ويصم” .

ويقول كذلك رداً على تهمة أن القرآن من تأليف محمد :

“إن أسلوب القرآن الكريم يخالف مخالفة تامة أسلوب كلام محمد صلى الله عليه وسلم، فلو رجعنا إلى كتب الأحاديث التي جمعت أقوال محمد صلى الله عليه وسلم وقارناها بالقرآن الكريم لرأينا الفرق الواضح والتغاير الظاهر في كل شيء، في أسلوب التعبير، وفي الموضوعات، فحديث محمد صلى الله عليه وسلم تتجلى فيه لغة المحادثة والتفهيم والتعليم والخطابة في صورها ومعناها المألوف لدى العرب كافة، بخلاف أسلوب القرآن الكريم الذي لا يُعرف له شبيه في أساليب العرب.

يستشعر القارىء في فطرته عند قراءة الحديث النبوي شخصية بشرية وذاتية تعتريها الخشية والمهابة والضعف أمام الله، بخلاف القرآن الكريم الذي يتراءى للقاريء من خلال آياته ذاتية جبارة عادلة حكيمة خالقة بارئة مصورة، رحيمة لا تضعف حتى في مواضع الرحمة مثل قوله سبحانه في شأن أتباع عيسى عليه السلام : ( إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة : 118].

فلو كان القرآن من كلام محمد صلى الله عليه وسلم لكان أسلوبه وأسلوب الأحاديث سواء. ومن المسلم به لدى أهل البصر الأدبي والباع الطويل في اللغة أن من المتعذر على الشخص الواحد أن يكون له في بيانه أسلوبان يختلف أحدهما عن الآخر اختلافاً جذرياً “.

لكنك تقول يا سيدي أن القرآن مقتبس من الأديان والكتب السماوية السابقة، وسأجاريك في ادعائك.

يقول الله سبحانه وتعالى :

( وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناًَ قليلاً، فبئس ما يشترون [ آل عمران : 187] )

فهل الآية السابقة صادقة ؟. فلنر !

كما ترى، حديثنا كان كله عن التاريخ والروايات المذكورة في التاريخ، لأن التاريخ هو المرجع الوحيد المتاح لدينا، إذا كنا سنغلق عقولنا بخصوص إحكام الشريعة الإسلامية والإعجازالموجود في القرآن.

التاريخ الذي لا يرحم ولا يحابي أحداً، والذي أخبرنا بالخبر اليقين بخصوص اتصال محمد باليهود والنصارى قبل بعثته. نفس التاريخ الذي يخبرنا بما يأتي :

يقول ويل ديورانت في كتابه “قصة الحضارة” الجزء الثالث الذي بعنوان “قيصر والمسيح”، واصفاً الأديان التي كانت تسود العالم القديم مع بدايات المسيحية :

” فأما اليهودية فقد ضمت في مجامعها المتفرقة المطرودين من أتباعها بعد أن عضهم الفقر بنابه، وأخذت تنفس عن تقواها بترتيل التلمود، وظل السوريون يعبود بعل وإن أسموه بأسماء يونانية، كما ظل الكهنة المصريون قائمين على خدمة آلهتهم الحيوانية الكثيرة بإخلاص وولاء، واحتفظت سيبيل وإيزيس ومثرا بأتباعها إلى آخر القرن الرابع، واستحوذت مثراسية جديدة على الدولة الرومانية في عهد أورليان”.

ما يهمنا من هذا الوصف أن الديانة المثرية كانت هي السائدة في الإمبراطورية الرومانية قبل دخولها في المسيحية.

فما طبيعة هذه الديانة ؟

يقول جفري بارندر – أستاذ مقارنة الأديان في جامعة لندن، والمرسوم قسيساً من الكنيسة الإصلاحية – في كتابه “المعتقدات الدينية لدى الشعوب” :

” وفضلاً عن ذلك فقد جلب الجنود والتجار معهم أنواعاً مختلفة من عبادات الشرق مثل عبادة الإله مثرا والإله أبولو من دولخي وإيزيس وسيبيل والآلهة السورية”.

ويكمل :

” كان مثرا Mithras الإله الآري الأصل، يعبد في إيران كإله للعقود والاتفاقيات (وكلمة مثرا، تعني فعلاً العقد أو الإتفاق)، وهو يحفظ الحق والنظام، ويقضي على القوى المفرقة : قوى الشر والغضب والجشع والتكبر والمماطلة، وجميع الأشرار من الآلهة والبشر. وهو يوصف بأنه محارب قوي جبار. وهو الذي يتعبد له المحاربون وهم على ظهور جيادهم قبل ذهابهم إلى المعركة. وبوصفه حارساً للحقيقة فهو قاضي الأرواح بعد الموت، وبوصفه الحافظ للإتفاقات والعقود، فهو الذي يحدد متى تنتهي فترة حكم الشيطان. ويُنتظر قدومه وسط مظاهر الخنوع والذل في أيام النصر.

ولقد ذكر بعض الكتاب المسيحيين عرافة هستاسبيس المتأخرة ووحدوا بينها وبين عرافة مثرا التي تتنبأ بمقدم الإله في نهاية العالم لتدمير الأشرار بالنار، ولإنقاذ الأبرار. وهناك عدد من النصب التذكارية الرومانية التي تصور مولده. كما تتضمن بعض النصوص المسيحية في القرن الخامس وجود أسطورة عن مثرا تنبيء بظهور نجم يقود المجوس إلى المكان الذي سيولد فيه المخلص.

كان مثرا إلهاً شعبياً هاماً في تاريخ إيران، وكان الملوك الأخمينيون يتضرعون إليه في النقوش التي بقيت لهم، كما كانت الملوك والعامة معاً يركبون أسماءهم من اسم مثرا (مثل مترادئيس) وهو لا يزال يشغل مكاناً هاماً في الطقوس الزرادشتية.

من الصعب أن نحكم إن كانت هناك على الإطلاق عبادة مستقلة لمثرا في إيران. غير أنه من إيران انتشرت عبادته كعقيدة متميزة شرقاً إلى الهند وغرباً إلى بلاد ما بين النهرين، وآسيا الصغرى. والحكايات الأرمينية وكذلك الأسماء التي تحمل صفات إلهية، والنقوش البارزة، والكتابات المصرية والأناضولية، تشهد على انتشار هذا الإله ومدى شعبيته في الشرق الأدنى القديم في العصور السابقة على ظهور المسيحية.

لقد دخلت المثرية روما لأول مرة عام 60 م، وفي القرن الثاني الميلادي كانت قد انتشرت داخل الإمبراطورية حتى بريطانيا، وقد نقلها الجنود أساساً فكانت ديانة للذكور بصفة خاصة. وفي أثناء التعميد عندما كان العضو الذي يتم ترسيمه يخضع لاختبارات بدنية وروحية معاً، فإنه كان يعلن ارتداده عن جميع الآلهة ماعدا مثرا، كما كان يتوقع منه أن يخلص الولاء لدستور أخلاقي دقيق. وبالمقابل كان يوعد بالمشاركة في البعث أو القيامة.

وكان الإعتقاد الأساسي في هذه العبادة هو التضحية بثور يقوم بها مثرا. وكان هذا عملاً خلاقاً وفداء في آن معاً، فالمتعبد ينظر إلى الوراء حيث تمت التضحية في البداية عندما خرجت الحياة من الموت، ثم ينظر إلى الأمام فيجد التضحية النهائية هي التي سيقوم بها مثرا عندما يكون على آخر الحيوانات أن يموت ليعطي للناس أكسير الخلود. ويمكن تذوق هذه الهبة الإلهية مقدماً عن طريق المشاركة في التناول المنظم لوجبة الخبز والخمر التي يمثل فيها الكاهن الإله مثر “.

من النص السابق نجد بعض الملامح الهامة، مثل :

– اشتمال الديانة “المثرية” على انتظار قدوم “مثرا” المخلص في نهاية الزمان ليدمر الأشرار وينقذ الأبرار.

– وجود طقس التعميد في الديانة “المثرية”.

– وجود طقس التناول والمشتمل على شرب الخمر وأكل الخبر.

وهي نفس الملامح الأساسية التي أصبحت في المسيحية فيما بعد : عودة المسيح – التعميد – التناول.

لنر ماذا يقول المؤرخون أيضاً !.

يقول دكتور كمال سعفان في كتابه “موسوعة الأديان القديمة” عن مثرا :

“ثم طهر الأرض بالنار، وتناول مع الملائكة طعام الوداع، وصعد إلى السماء حيث هو مقيم يتولى الأبرار بالهداية، ويعينهم على النجاة من حبائل الشيطان.

وكان أتباعه يفردون لعبادته يوم الشمس، أو يوم الأحد Sun day ، ويحتفلون بمولده في الخامس والعشرين من ديسمبر، لأنه موعد انتقال الشمس وتطاول ساعات النهار، ويقيمون له عيداً سنوياً في اليوم السادس عشر من الشهر السابع في تقويم الفرس القديم”.

ومن هذا النص نخرج بالآتي :

– مثرا تناول طعاماً أخيراً مع ملائكته ثم صعد إلى السماء.

– اليوم المخصص لعبادة مثرا هو يوم الأحد، وقد سمي ذلك اليوم باسمه –حيث أنه إله الشمس كذلك– sun day أو يوم الشمس.

– أتباع مثرا كانوا يحتفلون بمولده يوم 25 ديسمبر.

وكل هذه الأمور أصبحت في المسيحية فيما بعد : العشاء الأخير ثم الصعود إلى السماء – الأحد يوم العبادة – مولد المسيح في 25 ديسمبر.

إذن الإمبراطورية الرومانية كانت تدين بهذا الدين الوثني – الذي يحمل الملامح التي لاحظناها منذ قليل – حتى بداية القرن الرابع الميلادي، حينما اعتلى الإمبراطور قسطنطين عرش روما سنة 312 م، فاعتنق المسيحية وجعلها الديانة الرسمية للإمبراطورية.

يقول جفري بارندر في كتابه “المعتقدات الدينية لدى الشعوب” :

” وقال إرنست رينان ذات مرة لو أن المسيحية انهارت لكان العالم من أتباع “مثرا”. لكن هذا غير صحيح فلو انهارت المسيحية لسادت عبادة الشمس ولكن في صورة أخرى غير صورتها الفارسية. والواقع أن مسيحية الإمبراطور قسطنطين كانت مسيحية مبهمة غامضة، فأسرته كانت تدين بالولاء التقليدي لإله الشمس، ولقد جاءته الرؤية الشهيرة للصليب من الشمس وهو في طريقه إلى روما، وواصلت الشمس ظهورها على ما سكه من نقود خلال عشرة أعوام، وعلى قوس النصر الذي أقامه في روما. ويحمل تمثاله المقام في القسطنطينية التاج المشع لإله الشمس مصنوعاً، كما اعتقد هو نفسه، من مسامير الصليب الحقيقية. لقد كان إلهه إلهاً للقوة، لكنه لم يكن أبداً إلهاً للحب، ومعنى ذلك أن الشمس لم تهزم هزيمة كاملة”.

ويقول ويل ديورانت – الذي كان مسيحياً مخلصاً ومعجباً بما فعله قسطنطين – في كتابه “قصة الحضارة” المجلد الثالث الذي بعنوان “قيصر والمسيح” :

“لكن قسطنطين اضطر إلى أن يتحسس كل خطوة يخطوها بحذر، لأن الوثنية كانت هي الغالبة على العالم الذي يعيش فيه. ولذلك ظل يستخدم ألفاظاً توحيدية يستطيع أن يقبلها كل وثني “

ثم يقول : “ولقد استخدم في تدشين القسطنطينية شعائر وثنية ومسيحية معاً”.

ويجمع أغلب المؤرخين على أن دخول قسطنطين في المسيحية كان لأغراض سياسية بحتة، لكن الأمور لم تجر معه كما كان يشتهي !.

يقول ديورانت :

“غير أن سحباً ثلاثاً كدرت صفو ذلك اليوم الذي لا سحاب فيه : تلك هي انشقاق الأديرة، والإنشقاق الدوناني، والإلحاد الأريسوني”.

وكلمة الإلحاد الأريسوني مشتقة من اسم “أريوس” الراهب المصري الذي كان مصراً على أن المسيح ليس إلهاً بل بشر مخلوق.

يقول ديورانت :

” ويصفه مؤرخ كاثوليكي عالم وصفاً كريماً فيقول :

كان أريوس طويل القامة نحيل الجسم مكتئب المظهر، ذا منظر تبدو فيه آثار خشونة العيش. وكان معروفاً بأنه من الزهاد، كما يستدل على ذلك من ملبسه، وهو جلباب قصير من غير كمين تحت ملحفة يستخدمها عباءة. وكانت طريقته في الحديث ظريفة، وخطبه مقنعة. وكانت العذارى اللاتي نذرن أنفسهن للدين، وهن كثيرات في الإسكندرية، يبجلنه أعظم التبجيل، وكان له من بين رجال الدين عدد كبير من المؤيدين.

ويقول أريوس أن المسيح لم يكن هو والخالق شيئاً واحداً “.

ثم يكمل ديورانت قائلاً : ” وارتاع الأسقف ألكسندر من هذه الآراء”.

ومع تزايد أتباع أريوس واحتدام الخلاف بينه وبين بطريرك الإسكندرية ألكسندر، اضطر قسطنطين للتدخل بنفسه، يقول ديورانت :

” وكانت الكنيسة ترى أنه إذا لم يكن المسيح إلهاً فإن كيان العقيدة المسيحية كلها يبدأ في التصدع، وإذا ما سمحت باختلاف الرأي في هذا الموضوع فإن فوضى العقائد قد تقضي على وحدة الكنيسة وسلطانها، ومن ثم على ما لها من قيمة بوصفها عوناً للدولة. ولما انتشر الجدل في هذه المسألة، واشتعلت نيران الخلاف في بلاد الشرق اليوناني، اعتزم قسطنطين أن يقضي عليه بدعوة أول مجلس عام للكنيسة. ولهذا عقد مجلساً من الأساقفة عام 325 م في نيقية البيثينية بالقرب من عاصمة نقوميديا “.

والحقيقة أن مجمع نيقية كان نقطة تحول هامة في تاريخ المسيحية. فماذا جرى في هذا المجمع ؟.

يقول دكتور مانع الجهني في كتابه “الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة” المجلد الثاني :

” وفي وسط هذه العقائد المختلفة والفرق المتضاربة ما بين من يؤله المسيح وأمه (الريمنين) أو من يؤله المسيح فقط، أو يدعي وجود ثلاثة آلهة : إله صالح وإله طالح وآخر عدل بينهما (مقالة مرقيون)، أعلن آريوس أحد قساوسة كنيسة الإسكندرية أن المسيح ليس أزلياً، وإنما مخلوق من الأب، وأن الابن ليس مساوياً للأب في الجوهر، فالتف حوله الأنصار وكثر أتباع في شرق الإمبراطورية حتى ساد مذهبه التوحيدي كنائس مصر والإسكندرية وأسيوط وفلسطين ومقدونيا والقسطنطينية وأنطاكية وبابل، مما أثار بطريرك الإسكندرية بطرس ضده ولعنه وطرده من الكنيسة، وكذلك فعل خلفه البطريرك إسكندر، ثم الشماس إثناسيوس، وضماناً لاستقرار الدولة أمر الإمبراطور قسطنطين عام 325 م بعقد اجتماع عام يجمع كل أصحاب هذه الآراء للاتفاق على عقيدة واحدة يجمع الناس حولها، فاجتمع في نيقية 2048 أسقفاً منهم 338 يقولون بألوهية المسيح، وانتهى ذلك المجمع بانحياز الإمبراطور إلى القول بألوهية المسيح ولينفض على القرارات التالية :

1 – لعن آريوس الذي يقول بالتوحيد ونفيه وحرق كتبه، ووضع قانون الإيمان النيقاوي (الأثناسيوسي) الذي ينص على ألوهية المسيح.

2 – وضع عشرين قانوناً لتنظيم أمور الكنيسة والأحكام الخاصة بالأكليريوس.

3 – الاعتراف بأربعة أناجيل فقط (متى، لوقا، مرقس، يوحنا) وبعض رسائل العهد الجديد والقديم، وحرق باقي الأناجيل لخلافها عقيدة المجمع”.

أما الدكتور محمد ضياء الرحمن الأعظمي فيقول في كتابه “اليهودية والمسيحية” :

“واتفق الجميع بعد المدارسة والمناقشة على الخطوط الرئيسية للمسيحية من ناحية العقائد، والكتب المقدسة، واتفقوا على المباديء الآتية :

1 – الاعتراف بالثالوث : الأب والابن والروح القدس شعاراً للمسيحية.

2 – الإيمان بأن المسيح جاء لتخليص العالم من خطيئة آدم المتوارثة.

3 – كون المعمودية سواءً برش الماء، أو غمر جزء كبير من الجسم فيه بعد صلاة الكاهن على ذلك الماء ركناً من أركان المسيحية الأساسية، وذلك نسبة إلى تعمد المسيح على يد يوحنا المعمدان في بحر الشرقية – نهر الأردن.

4 – المناولة : وهي أن كل القرابين رمز لجسد المسيح، وأن شرب الخمر المعتقة إشارة إلى دم المسيح المسفوك على خشبة الصليب”.

ويستطرد في موضع آخر :

“وهكذا سقطت كنيسة أسيوط وكنيسة مقدونية وكنيسة فلسطين، وكلها كانت تدعو إلى أن المسيح إنسان مخلوق على رأي أريوس، وقتل خلق كثير من اليهود الذين لم يتنصروا، كما ذبحت الخنازير وطبخت ووزع لحمها على أبواب الكنائس، فكل من خرج يوم الفصح من الكنيسة يلقم لقمة من لحم الخنزير، من لم يأكل منه كان مصيره القتل”.

من كل ما سبق يمكننا أن نستنتج أنه في القرون الميلادية الثلاثة الأولى كانت الدولة الرومانية المسيطرة على العالم تعتنق ديناً وثنياً فارسياً اسمه “المثرية”. المثرية تعبد إله الشمس والنور “مثرا”. هذا الإله الذي يؤمن أتباعه أنه ولد في الخامس والعشرين من ديسمبر، وأنه أكل مع ملائكته طعاماً أخيراً ثم صعد إلى السماء، وتشتمل طقوس عبادته على التعميد والمناولة، وتتم عبادته في يوم الشمس sun day.

وفي ذلك الوقت كانت المسيحية تنتشر بسرعة، وكانت تعتبر فرقة من الفرق اليهودية، وكان أتباعها يمارسون عبادتهم يوم السبت مع اليهود ويؤمن أغلبهم بالمسيح كبشر فاني ورسول مرسل من عند الله.

وفي مصر انتشرت المسيحية بسرعة، ربما لأن المصريين كانوا يؤمنون بعقيدة تثليث مكونة من ثلاثة أقانيم : إيزيس وأوزيريس والطفل حورس. وحينما دخلت المسيحية مصر أعجب المصريون بما وجدوه فيها وذكرهم بديانتهم القديمة، فهناك الأم العذراء والطفل المسيح : إيزيس وابنها حورس. وهكذا قام المصريون بمزج عجيب بين المسيحية النقية والديانة المصرية القديمة، خرجوا منها بالأقانيم الثلاثة : الأب والابن والروح القدس.

وفي بداية القرن الرابع الميلادي، وجد الإمبراطور الروماني قسطنطين أن المسيحية – التي تنتشر بسرعة، وتتصارع مع المثرية الوثنية – ستنتصر في النهاية فأراد الرهان على الجواد الرابح، فاعتنق المسيحية وأعلنها الديانة الرسمية للإمبراطورية، لكن بعد أن قام ببعض التعديلات الهامة كي يقتنع الوثنيون بها. مزج بين الإله “مثرا” وبين المسيح، فأصبح المسيح هو الرب ابن الله الذي ولد في الخامس والعشرين من ديسمبر ومات ثم قام بعد ثلاثة أيام من بين الأموات.

ثم دعا قسطنطين إلى مجمع نيقية سنة 325 ميلادية، حيث اجتمع رؤساء المسيحية من كل مكان للتصويت على الكثير من العقائد والشعائر في المسيحية ومن ثم اعتمادها أو رفضها. ومن ضمن الأمور التي تم التصويت عليها : ألوهية المسيح !

الغريب في الأمر أن أكثر من 70 % ممن حضروا المجمع كانوا مصرين على بشرية المسيح، لكن هؤلاء لم يتم الاستماع لرأيهم، وهكذا امتزجت المسيحية بالمثرية في روما، وامتزجت بالديانة المصرية القديمة في مصر.

لكن من الظلم أن نلقي بتهمة تحريف وتشويه المسيحية وإدخال طقوس وثنية فيها على قسطنطين ومجمع نيقية ومن حضروه وحدهم، ففي القرن الأول الميلادي كانت هناك شخصية مسيحية هامة أثارت الكثير من الجدل فيما بعد، هي شخصية بولس الرسول.

يقول دكتور مانع الجهني في كتابه “الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة” المجلد الثاني :

” بعدما رفع المسيح، اشتد الإيذاء والتنكيل بأتباعه وحوارييه بوجه خاص، وقتل يعقوب بن زبدي أخو يوحنا الصياد، فكان أول من قتل من الحواريين، وسجن بطرس، وعذب سائر الرسل، وحدثت فتنة عظيمة لأتباع المسيح عليه الصلاة والسلام، حتى كادت الدعوة تفنى.

وفي ظل هذه الأجواء المضطربة أعلن شاول الطرسوسي اليهودي الفريسي، صاحب الثقافات الواسعة بالمدارس الفلسفية والحضارات في عصره، وتلميذ أشهر علماء اليهود في زمانه عمالائيل، أعلن شاول الذي كان يذيق أتباع المسيح سوء العذاب، إيمانه بالمسيح بعد زعمه رؤيته عند عودته من دمشق، مؤنباً له على اضطهاده لأتباعه، آمراً له بنشر تعاليمه بين الأمم، فاستخف الطرب أتباع المسيح، في الوقت الذي لم يصدقه بعضهم، إلا أن برنابا الحواري دافع عنه وقدمه للحواريين فقبلوه، وبما يمتلكه من حدة ذكاء وقوة حيلة ووفرة نشاط استطاع أن يأخذ مكاناً مرموقاً بين الحواريين وتسمي ببولس”.

ويقول موريس بوكاي في كتابه “دراسة الكتب المقدسة” :

” إن بولس اعتبر خائناً لفكرة المسيح، كما وصفته أسرة المسيح والحواريون الذين بقوا بالقدس حول جاك، وذلك لأنه قد كون المسيحية على حساب هؤلاء الذين جمعهم المسيح من حوله لنشر تعاليمه، ولما لم يكن قد عرف المسيح في حياته، فقد برر لشرعية رسالته بأن أكد أن المسيح بعد قيامته قد ظهر له على طريق دمشق”.

ويقول دكتور مانع الجهني في كتابه “الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة” المجلد الثاني :

” عاد بولس بصحبة برنابا إلى أنطاكية مرة أخرى، وبعد صحبة غير قصيرة انفصلا وحدث بينهما مشادة عظيمة نتيجة لإعلان بولس نسخ أحكام التوراة وقوله أنها : “كانت لعنة تخلصنا منها إلى الأبد” و”أن المسيح جاء ليبدل عهداً جديداً بعهد قديم” ولاستعارته من فلاسفة اليونان فكرة اتصال الإله بالأرض عن طريق الكلمة، أو ابن الإله، أو الروح القدس، وترتيبه على ذلك القول بعقيدة الصلب والفداء، وقيام المسيح وصعوده إلى السماء، ليجلس على يمين الرب ليحاسب الناس في يوم الحشر. وهكذا كرر بولس الأمر مع بطرس الذي هاجمه وانفصل عنه مما أثار الناس ضده، لذا كتب بولس رسالة إلى أهل غلاطية ضمنها عقيدته ومبادئه، ومن ثم واصل جولاته بصحبة تلاميذه إلى أوروبا وآسيا الصغرى ليلقى حتفه أخيراً في روما في عهد نيرون سنة 65م”.

ظلت بعد ذلك بعض المشاكل بالنسبة لقسطنطين وما خرج به مجمع نيقية من قرارات، فقد كانت هناك أناجيل عديدة كتبها كتبها تلاميذ المسيح واصفين حياته كرجل فانٍ – أحدها كان ينسب إلى المسيح نفسه – وكانت هذه الأناجيل تقف حجر عثرة أمام تحقيق مشروع قسطنطين. لذلك تم إعلان كل هذه الصحائف كأناجيل ممنوعة، وتم إحراقها، واعتماد الأناجيل الأربعة الرئيسية : إنجيل متى ولوقا ويوحنا ومرقص.

لكن لسوء حظ قسطنطين نجت بعض النسخ من الأناجيل الممنوعة، مثل إنجيل برنابا.

يقول الله سبحانه وتعالى :

(وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [التوبة : 30] )

الذين كفروا من قبل : أتباع الديانة المثرية وأتباع الديانة المصرية القديمة !.

هذه اللعبة التي قام بها قسطنطين ومن معه لم تكن محكمة كذلك، إذ كانت الأناجيل المعتمدة مليئة بالتناقضات والتضاربات. والوقت لا يتسع للأسف لحصر “بعض” هذه التناقضات، ولكني سأكتفي بالإشارة إلى شيء أو اثنين نجده في الصفحات الأولى من الأناجيل، دون الدخول في أعماقها، كي يتسع العمر لك لقراءة هذا الكلام :

1 – نسب السيد المسيح :

تضع الأناجيل نسباً للسيد المسيح عليه السلام يبدأ من آدم أو من إبراهيم وينتهي بيوسف النجار، لكن الغريب في الأمر أنه هناك اختلاف كبير بين سلسلة النسب التي يضعها إنجيل متى وتلك التي يضعها إنجيل لوقا.

فنجد في إنجيل متى نسب المسيح من إبراهيم عليه السلام :

متى1 :1. كتاب ميلاد يسوع المسيح ابن داود ابن ابراهيم.

متى1 :2 ابراهيم ولد اسحق.واسحق ولد يعقوب.ويعقوب ولد يهوذا واخوته.

متى1 :3 ويهوذا ولد فارص وزارح من ثامار.وفارص ولد حصرون.وحصرون ولد ارام.

متى1 :4 وارام ولد عميناداب.وعميناداب ولد نحشون.ونحشون ولد سلمون.

متى1 :5 وسلمون ولد بوعز من راحاب.وبوعز ولد عوبيد من راعوث.وعوبيد ولد يسى.

متى1 :6 ويسى ولد داود الملك.وداود الملك ولد سليمان من التي لأوريا.

متى1 :7 وسليمان ولد رحبعام.ورحبعام ولد ابيا.وابيا ولد آسا.

متى1 :8 وآسا ولد يهوشافاط.ويهوشافاط ولد يورام.ويورام ولد عزيا.

متى1 :9 وعزيا ولد يوثام.ويوثام ولد آحاز.وآحاز ولد حزقيا.

متى1 :10 وحزقيا ولد منسّى.ومنسّى ولد آمون.وآمون ولد يوشيا.

متى1 :11 ويوشيا ولد يكنيا واخوته عند سبي بابل.

متى1 :12 وبعد سبي بابل يكنيا ولد شألتيئيل.وشألتيئيل ولد زربابل.

متى1 :13 وزربابل ولد ابيهود.وابيهود ولد الياقيم.والياقيم ولد عازور.

متى1 :14 وعازور ولد صادوق.وصادوق ولد اخيم.واخيم ولد اليود.

متى1 :15 واليود ولد أليعازر.وأليعازر ولد متان.ومتان ولد يعقوب.

متى1 :16 ويعقوب ولد يوسف رجل مريم التي ولد منها يسوع الذي يدعى المسيح.

متى1 :17 فجميع الاجيال من ابراهيم الى داود اربعة عشر جيلا.ومن داود الى سبي بابل اربعة عشر جيلا. ومن سبي بابل الى المسيح اربعة عشر جيلا



أما لوقا فيذكر نسب المسيح حتى آدم، فيقول :

لوقا3 :23 ولما ابتدأ يسوع كان له نحو ثلاثين سنة وهو على ما كان يظن ابن يوسف بن هالي

لوقا3 :24 بن متثات بن لاوي بن ملكي بن ينّا بن يوسف

لوقا3 :25 بن متاثيا بن عاموص بن ناحوم بن حسلي بن نجّاي

لوقا3 :26 بن مآث بن متاثيا بن شمعي بن يوسف بن يهوذا

لوقا3 :27 بن يوحنا بن ريسا بن زربابل بن شألتيئيل بن نيري

لوقا3 :28 بن ملكي بن أدي بن قصم بن ألمودام بن عير

لوقا3 :29 بن يوسي بن أليعازر بن يوريم بن متثات بن لاوي

لوقا3 :30 بن شمعون بن يهوذا بن يوسف بن يونان بن ألياقيم

لوقا3 :31 بن مليا بن مينان بن متاثا بن ناثان بن داود

لوقا3 :32 بن يسّى بن عوبيد بن بوعز بن سلمون بن نحشون

لوقا3 :33 بن عميناداب بن ارام بن حصرون بن فارص بن يهوذا

لوقا3 :34 بن يعقوب بن اسحق بن ابراهيم بن تارح بن ناحور

لوقا3 :35 بن سروج بن رعو بن فالج بن عابر بن شالح

لوقا3 :36 بن
قينان بن ارفكشاد بن سام بن نوح بن لامك

لوقا3 :37 بن متوشالح بن اخنوخ بن يارد بن مهللئيل بن قينان

لوقا3 :38 بن انوش بن شيت بن آدم ابن الله



يقول الدكتور محمد ضياء الرحمن الأعظمي في كتاب “اليهودية والمسيحية” معلقاً على شجرة نسب المسيح :

” الملاحظة الأولى :

إن لوقا زاد اسماً هو “قينان” رقم 13 بعد “أرفكشاد” وهو مخالف للعهد القديم، فإن سفر التكوين لا يذكر أنه ابن أرفكشاد.

الملاحظة الثانية :

يقول متى : ومن داود إلى سبي بابل أربعة عشر جيلا. ومن سبي بابل إلى المسيح أربعة عشر جيلا.

والمجموع ثمانية وعشرون جيلاً، بينما نرى عند لوقا من داود إلى يسوع ثلاثة وأربعين جيلاً !.

الملاحظة الثالثة :

يقول متى : يوشيا ولد يكنيا وإخوته عند سبي بابل. وبعد سبي بابل يكنيا ولد شألتيئيل.

وهذا مخالف لما في العهد القديم، ففي سفر أخبار الأيام الأول : “وبنو يوشيا البكر : يوحانان، الثاني : يهوياقيم، الثالث : صدفيا، الرابع : شلوم، وأما “يكنيا” فهو ابن يوياقيم، يعني أن “يكنيا حفيد يوشيا” (أخبار الأيام الأول 3 : 15 )..

الملاحظة الرابعة :

يقول متى : إن يوشيا سبي إلى بابل وولد هناك يكنيا وإخوته، بينما يذكر العهد القديم أنه عين ملكاً حين كان عمره ثماني سنين، وحكم فيهم واحداً وثلاثين عاماً، وحاربه ملك مصر، وجرح في برية “مجدو” ودفن في أورشليم (أخبار الأيام الثاني 34 : 1-35)..

الملاحظة الخامسة :

إن “يكنيا” حسب قول متى من أجداد عيسى عليه السلام، بينما نرى أن نبي العهد القديم “أرمياء” يدعو على “يكنيا” بأن يبقى عقيماً، ولا يجلس أحد من نسله على كرسي داود (أرمياء 22 : 30 ).

الملاحظة السادسة :

“زربائيل” أحد أجداد المسيح، حفيد “ليكنيا” في إنجيل متى، بينما هو في إنجيل لوقا حفيد “لنبري” وابنه في إنجيل متى “أبيهود” وفي إنجيل لوقا “ريسا”، وفي أخبار الأيام الأول ابنه “حننيا”، وفي متى ولوقا هو ابن “لشالتئيل”، بينما في العهد القديم ليس “لشالتئيل” أولاد، بل هو ابن أخيه “فدايا”.

الملاحظة السابعة :

يقول متى : يوسف بن يعقوب، بينما يقول لوقا : يوسف بن هالي.

الملاحظة الثامنة :

يرى متى أن المسيح من أولاد سليمان بن داود، بينما يرى لوقا أنه من أولاد ناثان بن داود.

الملاحظة التاسعة :

يجعل متى المسيح من نسل داود عليه السلام، وكلهم من السلاطين المشهورين، بينما يجعله لوقا من غير السلاطين.

الملاحظة العاشرة :

ثم انظر في الأنساب بين العهد القديم الذي كان أساساً للعهد الجديد، وبين كتب العهد الجديد الذي هو وحي عند المسيحيين من روح القدس وهو الذي كان يملى علي الكتاب، وتكفي الإشارات السابقة للرد على دعواهم.

الملاحظة الحادية عشر :

ثم كيف جاز لهؤلاء الكتاب أن ينسبوا المسيح إلى يوسف، ومن ثم إلى داود، وإلى إبراهيم ؟ ، وهل كان يوسف أباً للمسيح حتى يكون نسبه من جهته ؟ كلا. وإن كان لابد أن يكون من جهة مريم أمه لا غير” .

2 – الحواريون :

الأغرب من مسألة نسب المسيح أنه هناك اختلاف بين الأناجيل على أسماء الحواريين الاثني عشر !.

ففي إنجيل متى نجد :

متى10 :1. ثم دعا تلاميذه الاثني عشر واعطاهم سلطانا على ارواح نجسة حتى يخرجوها ويشفوا كل مرض وكل ضعف.

متى10 :2 واما اسماء الاثني عشر رسولا فهي هذه.الاول سمعان الذي يقال له بطرس واندراوس اخوه.يعقوب بن زبدي ويوحنا اخوه.

متى10 :3 فيلبس وبرثولماوس.توما ومتى العشار.يعقوب بن حلفى ولباوس الملقب تداوس.

متى10 :4 سمعان القانوي ويهوذا الاسخريوطي الذي اسلمه



أما في إنجيل مرقس فنجد :

مرقس3 :14 واقام اثني عشر ليكونوا معه وليرسلهم ليكرزوا.

مرقس3 :15 ويكون لهم سلطان على شفاء الامراض واخراج الشياطين.

مرقس3 :16 وجعل لسمعان اسم بطرس.

مرقس3 :17 ويعقوب بن زبدي ويوحنا اخا يعقوب وجعل لهما اسم بوانر جس اي ابني الرعد.

مرقس3 :18 واندراوس وفيلبس وبرثولماوس ومتى وتوما ويعقوب بن حلفى وتداوس وسمعان القانوي.

مرقس3 :19 ويهوذا الاسخريوطي الذي اسلمه.

وإنجيل لوقا يقول :

لوقا6 :13 ولما كان النهار دعا تلاميذه واختار منهم اثني عشر الذين سماهم ايضا رسلا.

لوقا6 :14 سمعان الذي سماه ايضا بطرس واندراوس اخاه.يعقوب ويوحنا.فيلبس وبرثولماوس.

لوقا6 :15 متّى وتوما.يعقوب بن حلفى وسمعان الذي يدعى الغيور.

لوقا6 :16 يهوذا اخا يعقوب ويهوذا الاسخريوطي الذي صار مسلما ايضا



أما في أعمال الرسل فنجد :

اعمال1 :13 ولما دخلوا صعدوا الى العليّة التي كانوا يقيمون فيها بطرس ويعقوب ويوحنا واندراوس وفيلبس وتوما وبرثولماوس ومتى ويعقوب بن حلفى وسمعان الغيور ويهوذا اخو يعقوب.



يقول الدكتور محمد ضياء الدين الأعظمي معلقاً على أسماء الحواريين :

“1 – في إنجيل لوقا : يهوذا أخو يعقوب بدلاً من “لياوس”، بينما نرى أنت يوحنا الذي لم يهتم بذكر جميع أسماء التلاميذ يذكر من بينهم “يهوذا” آخر غير الخائن، ويقول عنه “يهوذا، ليس الإسخريطوي” (إنجيل يوحنا 14 : 22 ) يبدو أنه يهوذا أخو يعقوب الذي ذكره لوقا كاتب أعمال الرسل.

2 – إن كاتب أعمال الرسل أهمل ذكر التلميذ الثاني عشر.

3 – في إنجيل متى إن الذي كان يأخذ الجباية اسمه : متى العشار، بينما نرى في إنجيل مرقس : الذي كان يجلس عند مكان الجباية اسمه : لاوي بن خلفي.

4 – يبدو من إنجيل برنابا أن برنابا كان من التلاميذ الاثني عشر، كما صرح به هو بنفسه، وقال : الذي كتب هذا. بينما لم يذكر أصحاب الأناجيل الأخرى اسمه في قائمة التلاميذ، والثابت أنه منهم، كما جاء في فقرات أعمال الرسل :

– اعمال4 :36 ويوسف الذي دعي من الرسل برنابا الذي يترجم ابن الوعظ وهو لاوي قبرسي الجنس

– اعمال9 :27 فاخذه برنابا واحضره الى الرسل وحدثهم كيف ابصر الرب في الطريق وانه كلمه وكيف جاهر في دمشق باسم يسوع.

– اعمال11 :22 فسمع الخبر عنهم في آذان الكنيسة التي في اورشليم فارسلوا برنابا لكي يجتاز الى انطاكية.

اعمال11 :23 الذي لما أتى ورأى نعمة الله فرح ووعظ الجميع ان يثبتوا في الرب بعزم القلب.

اعمال11 :24 لانه كان رجلا صالحا وممتلئا من الروح القدس والايمان.فانضم الى الرب جمع غفير

اعمال11 :25 ثم خرج برنابا الى طرسوس ليطلب شاول.ولما وجده جاء به الى انطاكية.


وقد انتقد بعض الكتاب المسيحيين هذا التصرف من كتاب الأناجيل ورموهم بعدم التحقيق والتدقيق حتى في بيان أسماء التلاميذ.

3 – حياة السيد المسيح :

الأغرب والأغرب من الاختلاف والتناقض في نسب المسيح وأسماء التلاميذ هو التناقض في حياة المسيح نفسه!.

فيصف متى ولادة المسيح وبداية حياته بقوله :

متى2 :1. ولما ولد يسوع في بيت لحم اليهودية في ايام هيرودس الملك اذا مجوس من المشرق قد جاءوا الى اورشليم

متى2 :2 قائلين اين هو المولود ملك اليهود.فاننا رأينا نجمه في المشرق واتينا لنسجد له.

متى2 :3 فلما سمع هيرودس الملك اضطرب وجميع اورشليم معه.

متى2 :4 فجمع كل رؤساء الكهنة وكتبة الشعب وسألهم اين يولد المسيح.

متى2 :5 فقالوا له في بيت لحم اليهودية.لانه هكذا مكتوب بالنبي.

متى2 :6 وانت يا بيت لحم ارض يهوذا لست الصغرى بين رؤساء يهوذا .لان منك يخرج مدبر يرعى شعبي اسرائيل

متى2 :7 حينئذ دعا هيرودس المجوس سرّا وتحقق منهم زمان النجم الذي ظهر.

متى2 :8 ثم ارسلهم الى بيت لحم وقال اذهبوا وافحصوا بالتدقيق عن الصبي.ومتى وجدتموه فاخبروني لكي آتي انا ايضا واسجد له.

متى2 :9. فلما سمعوا من الملك ذهبوا واذا النجم الذي رأوه في المشرق يتقدمهم حتى جاء ووقف فوق حيث كان الصبي.

متى2 :10 فلما رأوا النجم فرحوا فرحا عظيما جدا.

متى2 :11 وأتوا الى البيت ورأوا الصبي مع مريم امه.فخروا وسجدوا له.ثم فتحوا كنوزهم وقدموا له هدايا ذهبا ولبانا ومرّا.

متى2 :12 ثم اذ أوحي اليهم في حلم ان لا يرجعوا الى هيرودس انصرفوا في طريق اخرى الى كورتهم

متى2 :13. وبعدما انصرفوا اذا ملاك الرب قد ظهر ليوسف في حلم قائلا قم وخذ الصبي وامه واهرب الى مصر وكن هناك حتى اقول لك.لان هيرودس مزمع ان يطلب الصبي ليهلكه.

متى2 :14 فقام واخذ الصبي وامه ليلا وانصرف الى مصر.

متى2 :15 وكان هناك الى وفاة هيرودس.لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل من مصر دعوت ابني

متى2 :16. حينئذ لما رأى هيرودس ان المجوس سخروا به غضب جدا.فارسل وقتل جميع الصبيان الذين في بيت لحم
وفي كل تخومها من ابن سنتين فما دون بحسب الزمان الذي تحققه من المجوس.



أي أن المسيح ذهب به يوسف وأمه إلى مصر ولم يرجعوا إلا بعد وفاة هيرودوس.

لكن لوقا يقول غير ذلك :

لوقا2 :22 ولما تمت ايام تطهيرها حسب شريعة موسى صعدوا به الى اورشليم ليقدموه للرب.

لوقا2 :23 كما هو مكتوب في ناموس الرب ان كل ذكر فاتح رحم يدعى قدوسا للرب.



لوقا2 :39 ولما اكملوا كل شيء حسب ناموس الرب رجعوا الى الجليل الى مدينتهم الناصرة.

لوقا2 :40 وكان الصبي ينمو ويتقوى بالروح ممتلئا حكمة وكانت نعمة الله عليه

لوقا2 :41. وكان ابواه يذهبان كل سنة الى اورشليم في عيد الفصح.

لوقا2 :42 ولما كانت له اثنتا عشرة سنة صعدوا الى اورشليم كعادة العيد.

لوقا2 :43 وبعدما اكملوا الايام بقي عند رجوعهما الصبي يسوع في اورشليم ويوسف وامه لم يعلما.

لوقا2 :44 واذ ظناه بين الرفقة ذهبا مسيرة يوم وكانا يطلبانه بين الاقرباء والمعارف.

لوقا2 :45 ولما لم يجداه رجعا الى اورشليم يطلبانه.

لوقا2 :46 وبعد ثلاثة ايام وجداه في الهيكل جالسا في وسط المعلمين يسمعهم ويسألهم.

لوقا2 :47 وكل الذين سمعوه بهتوا من فهمه واجوبته.

لوقا2 :48 فلما ابصراه اندهشا.وقالت له امه يا بنيّ لماذا فعلت بنا هكذا.هوذا ابوك وانا كنا نطلبك معذبين.

لوقا2 :49 فقال لهما لماذا كنتما تطلبانني ألم تعلما انه ينبغي ان اكون فيما لأبي.

لوقا2 :50 فلم يفهما الكلام الذي قاله لهما.

لوقا2 :51 ثم نزل معهما وجاء الى الناصرة وكان خاضعا لهما.وكانت امه تحفظ جميع هذه الأمور في قلبها.

لوقا2 :52 واما يسوع فكان يتقدم في الحكمة والقامة والنعمة عند الله والناس

يقول الدكتور محمد ضياء الدين الأعظمي تعليقاً على ذلك :

” هذه الفقرات الطويلة من إنجيل متى ولوقا فيها تعارض لا يخفى، وبيانه كالآتي :

1 – ففي إنجيل لوقا : أن ولادة المسيح كانت بعد الاكتتاب في عهد أغسطس والثابت في التاريخ أن ذلك كان في السنة السادسة من ولادة المسيح.

بينما يقول متى : إن ولادة المسيح كانت في عهد هيرودوس، والثابت في التأريخ أنه توفي قبل ولادة المسيح بأربع سنوات. (انظر : طلوع المسيحية ص 30 للمؤلف المسيحي “بروس” ).

2 – أن متى يدعي أن أبويه ذهبا به إلى مصر، خوفاً من هيرودوس الذي أمر بقتل جميع الصبيان، بينما يقول لوقا : إن أبويه ذهبا به إلى أورشليم، ومنه إلى الناصرة، وبقي هناك إلى أن شب.

3 – يقول متى : أن المسيح كان ملك اليهود.

والتاريخ يكذب هذه الدعوى، فإن المسيح لم يكن يوماً ما ملك اليهود، بل هم الذيم سعوا إلى الحكم، واستطاعوا إصدار الأمر عليه بالإعدام.

4 – يدعي متى أن المسيح يكون مدبراً يرعى شعب إسرائيل.

والتاريخ يكذب هذه الدعوى، فإن الإسرائيليون لم يقبلوا دعوة المسيح، وبالتالي لم يكن راعياً لإسرائيل.

5 – يقول متى مخاطباً بيت لحم : لست الصغرى بين رؤساء يهوذا، وهو مخالف لما في العهد القديم : أما أنت يا بيت لحم أفراتة، وأنت صغيرة أن تكوني بين ألوف يهوذا (سفر ميخا 5 : 3 ).

ولا أدري بماذا يدافع المسيحيون عن هذه التناقضات التي وقعت بين الأناجيل التي هي عماد دينهم، وأساس مذهبهم، كما أنهم لم يستطيعوا تعيين المجوس الذين تقدموا إلى هيرودوس، من أين جاءوا وإلى أين ذهبوا، لأن الحرب كانت قائمة آنذاك بين الدولة الفارسية والدولة الرومانية، فكيف استطاع هؤلاء المجوس أن يدخلوا على الوالي الروماني الذي كان عدواً لدوداً للمجوس ؟.

فالمحققون المسيحيون لا يزالون في حيرة من أمرهم.

إن لوقا ومتى اللذين اهتما بذكر حياة المسيح في إنجيلهما قفزا قفزةً، بذكر كيفية دخول المسيح في الهيكل، وما جرى له فيه، وكان عمره آنذاك اثني عشر عاماً، ثم بلغ الثلاثين من عمره، ولم يذكرا شيئاً من سيرته بعد اثنتي عشرة سنة إلى الثلاثين، فهذه الفترة من حياة المسيح لا تزال في ظلام “.

يقول الله سبحانه وتعالى :

(أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً [النساء : 82] )

سأكتفي بالكلام عن المسيحية – كنموذج من الأديان السابقة التي تقول أن محمداً استقى القرآن منها – ودعني أسألك الآن : هل هذه هي الأديان التي يأخذ منها أي أحد أي شيء، مع كل ما فيها من تناقضات وأخطاء ووثنية دخيلة ؟

ثم لماذا لا يكون محمد نبي موحى له من عند الله ؟ ما الذي يمنع ذلك ؟ ألمجرد أنه جاء من العرب واليهود اعتادوا أن يأتي الأنبياء منهم ؟ ألمجرد أنه جاء بشريعة غير المسيحية واليهودية يصبح هذا سبباً كافياً لنشكك فيه ونحاول النيل منه ؟. وما الذي يثبت أن موسى نبي موحى له وأيوب نبي موحى له ويونس نبي موحى له ثم نأتي عند محمد ونقول : لا، ستوب !. إنه ليس بنبي والقرآن من تأليفه ؟ الذي أوحى لموسى بإمكانه أن يوحي لمحمد، والذي يشكك في نبوة محمد ما الذي يجعله متيقناً من نبوة موسى ؟

تاسعاً : أنت تقول أن القرآن يتكلم عن الأساطير، وذكرت – لحسن حظنا أخيراً – مثالاً على كلامك وهو قصة يأجوج ومأجوج، اللذان – حسب قولك – ليس لهما وجود :

في الموسوعة العربية العالمية نجد الآتي :

” علم الأساطير يتناول بالدراسة كل مايكون خارجًا عن المألوف وخارقًا للعادات في صفات الإنسان والحيوان والطير والمخلوقات الخرافية. حاول الناس دائمًا أن يفهموا سبب حدوث أمور معينة. ومثال ذلك أن الناس أرادوا أن يعرفوا لماذا تُشرق الشمس وتغيب؟ وما سبب البرق؟ كما أرادوا أن يعرفوا كيف تم خلق الأرض؟ وكيف وُجدت الإنسانية؟ وأين وُجدت أولاً؟”.

فالأسطورة هي حكاية خارقة للعادة، وغالباً تأتي لتفسر ظاهرة ما حار الإنسان في تفسيرها.

وقصة يأجوج ومأجوج كما يرويها القرآن تدور حول ملك صالح جاب الأرض شرقاً وغرباً، حتى وصل إلى قوم كانوا يعانون من هجمات قبائل همجية أسموها “يأجوج ومأجوج”، وطلب هؤلاء من الملك الصالح أن يعينهم عليهم، فقام الملك الصالح – بمساعدة هؤلاء – ببناء سد عظيم كي يمنع وصول تلك القبيلة الهمجية المفسدة في الأرض إلى الأقوام المستضعفين.

بالله عليك أين الأسطورة في ذلك ؟ أين الخارج عن المألوف أو الأمر الخارق للعادة ؟ أين الظاهرة الغامضة التي تحاول هذه القصة التاريخية تبريرها وشرحها ؟.

ألمجرد أنك لا تجد لهذه القبيلة وجوداً الآن؛ يصبح الأمر أسطورياً ؟. ومن قال لك أن الاسم الذي أطلقه القوم المستضعفون على هؤلاء الناس – يأجوج ومأجوج – هو الاسم المتداول لهم تاريخياً أو اليوم ؟. ما أدراك أنهم ليسوا أي شعب من شعوب العالم الحالية ؟ الصينيون مثلاً، وهم بالفعل ذوي أعداد كبيرة، وعلى وشك أن يصبحوا أقوى قوة في العالم، كما تصف المصادر الإسلامية يأجوج ومأجوج !.

كلامك يذكرني بالشخص الذي قال أن دولة الأندلس كانت دولة أسطورية، لأنه لا يوجد حالياً أي دولة في العالم تحمل هذا الاسم، أو ذلك الذي ادعى أن الأسبان هم مجرد شعب أسطوري لا وجود له لمجرد أنه لم ير ولم يلتق ولم يسمع بأحدٍ منهم !.

ثم إنك تقول أن القرآن يتكلم عن الأساطير، أين هي تلك الأساطير – بخلاف قصة يأجوج ومأجوج، التي ليست بأسطورة – وما المقياس الذي استخدمته لاعتبارها أساطير ؟ أتمنى ألا يكون نفس المقياس الذي استخدمته في الحكم على قصة يأجوج ومأجوج !.

ونسأل الله الصبر والسلوان !.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: