رسالة من قارىء..الجزء الرابع

عاشراً : أنت تقول أن الإسلام أمر بالجهاد والعنف والقتال والحرب وبذلك أقر العرب على همجيتهم وبدائيتهم :

بادئاً ذي بدء؛ الإسلام غير العرب 180 درجة، وحولهم من أمة جاهلة مشتتة إلى أمة قوية مترابطة تسود العالم وتصنع حضارة عظيمة انطلقت إشعاعاتها شرقاً وغرباً.

يقول دكتور طه حسين في كتابه “مرآة الإسلام” الجزء الثاني :

” ولست أذكر هنا تأثير القرآن في تغيير التاريخ وتحويله أمة جاهلة غافلة أمية شديدة التنافر والتدابير يضرب بعضها رقاب بعض، وينهب بعضها أموال بعض. فإذا هي تصبح أمة قد خلقت خلقاً جديداً فألفت النظام والأمن والعدل وطمحت إلى الرقي وظفرت منه بحظ موفور ونشرت هذه الخصال كلها في أمم كثيرة في الأرض ثم مزجتها وجعلت منها أمة واحدة تتعاون على الخير والبر وترقية الحضارة – لا أذكر هذا كله ولا أطيل فيه لأنه أظهر من أن يحتاج ذلك. والقرآن وحده مصدر هذا كله، فلولاه لظلت الأمة العربية على جهلها وغلظاتها وانقسامها ولطمع فيها غيرها من الأمم المتحضرة فاستذلها واستغلها وبسط عليها سلطانه”.

لم يذكر لنا التاريخ أي حادثة عنف قام بها المسلمون طوال إقامتهم في مكة، رغم اضطهاد الكفار وإيذائهم لهم، والذي وصل في بعض الأحيان إلى قتل بعضهم، مثلما حدث لسمية بنت خياط وياسر بن عامر. لم يرفع مسلم واحد إصبعه في وجه أحد صناديد الكفر، لم يحاول مسلم تكسير صنم من الأصنام، وحينما كان المسلمون يسألون الرسول أن يسمح لهم برد العدوان كان يقول : “لم أؤمر بقتال”.

وحينما فاض الكيل بخباب بن الأرت، ذهب إلى الرسول يسأله أن يدعو الله أن يرفع عنهم البلاء. يذكر ابن كثير قصته في كتابه البداية والنهاية، فيقول على لسان خباب :

“أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد ببردة وهو في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت : ألا تدعو الله ؟. فقعد وهو محمر الوجه فقال : “قد كان من كان قبلكم ليمشط بأمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنتين، ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله عز وجل”.

ولم يأمر الله نبيه بأن يجبر الناس على الإسلام، يقول تعالى :

(لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة : 256] )

(ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [النحل : 125] ).

(فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ. لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ [الغاشية : 21 – 22] ).

(لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون : 6] ).

فالإسلام لم يأمر بالقتال أو العنف، إلا حينما أصبح القتال هو السبيل الوحيد للتعامل مع المشركين، بعد أن أثبتوا أنهم بالإضافة لعدم رغبتهم في الدخول في الإسلام؛ فهم سيقفون في وجه الدعوة ويألبون القبائل العربية على المسلمين ويحذروهم من الدخول في الإسلام أو الإستماع إلى الرسول، فأصبحت المواجهة واجبة، وفي هذا يقول الله سبحانه وتعالى :

(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [البقرة : 216] ).

أي أن القتال شيء بغيض لكنكم مضطرون.

ويقول الدكتور أنور زناتي في كتابه “معجم افتراءات الغرب على الإسلام” مجيباً على سؤال : لماذا دخل المسلمون في حروب :

“والإجابة عن هذا السؤال هي :

1– الدفاع عن النفس : يقرر التاريخ أن المسلمين قبل الهجرة لم يؤذن لهم بالقتال وقد ضُرب عمار وبلال وياسر وأبو بكر، ومات ياسر من قسوة التعذيب، ولم يرفع هؤلاء أيديهم لرد الاعتداء، ولكن المشركين ازدادوا بغياً حتى قرروا قتل الرسول صلى الله عليه وسلم، وكلما همت نفوس المسلمين لرد هذا الاعتداء والظلم منعهم الرسول ويقول لهم : ” لم أؤمر بقتال.

حتى هاجر الرسول إلى المدينة، وبدء المشركون يضعون خططهم للقضاء علي الإسلام في شبه الجزيرة العربية، فكان من الضروري دفاع المسلمين عن دينهم وعن نفسهم، فأذن الله بالدفاع عن أنفسهم بقوله تعالي : (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [الحج : 39]).



2
–إتاحة الفرصة للضعفاء الذين يريدون اعتناق الإسلام :

كانت قريش كما سبق القول تسلك كل الطرق للقضاء على الدعوة الإسلامية فكان هناك الكثير من سكان مكة ومن العرب يميلون إلى الإسلام ويريدون الدخول فيه، ولكنهم كانوا يخافون أن يتعرضوا لما تعرض له المسلمون الآخرون من الإيذاء والتعذيب، فكانوا يلجئون إلى الإيمان سراً. وهؤلاء نزلت فيهم الآية الكريمة :

( وَلَوْلا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ [الفتح : 25] ).

فأذن الله لرسوله وللمؤمنون حماية الدعوة بقوله تعالي :

(وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً [النساء : 75]).



3
– الدفاع عن الأمة الإسلامية حتى لا تدكها جيوش الفرس والروم :

قبل الإسلام كان العرب ما هم إلا مجموعات متناثرة من القبائل، وهذا الذي جعل الفرس والروم لا يخشون من العرب في هذا الوقت لضعفهم ولتناثرهم على الأراضي الواسعة وللتناحرالذي يشب بينهم بين الحين والأخر.

وبعد ظهور الإسلام وفي بداية الدعوة الإسلامية كان الرسول وأتباعه يتعرضون لاضطهاد وإيذاء من قبل قريش واليهود، وهذا الذي جعل الفرس والروم لا يهتمون بهذه الدعوة لاعتقادهم أنها حركة قام بها شخص عربي وأهل قريش واليهود سوف يقضون عليها.

ولكن سرعان ما استقر الإسلام بانتصاراته المتتالية على أعدائه، وبدأ الدين ينتشر بين العرب، ومن هنا شعر الفرس والروم بخطورة الإسلام وبدأوا يخططون للقضاء على هذا الدين الجديد والذي وحد العرب تحت رايته.

وعلي الرغم من ذلك الرسول صلي الله عليه وسلم لم يبادر بالعداء لهم، ولكنه قام بالإرسال لهم يدعوهم إلى الدخول في الدين الجديد، حتى بدأوا يضمرون الشر للرسول وللمسلمين فبدأت الحروب بين المسلمين والفرس والروم لحماية الأمة الإسلامية من بطش هاتين القوتين العظميين في ذلك الوقت “.

والتاريخ يذكر لنا أن المسلمين حينما هاجروا إلى يثرب قام كفار مكة بالاستيلاء على بيوتهم وأموالهم، وتاجروا فيها، فخرج الرسول والمسلمين للاستيلاء على إحدى قوافلهم التجارية، من جهة كتعويض عما استولى كفار مكة عليه من أموال وممتلكات المسلمين، ومن جهة أخرى للتضييق على كفار مكة ليسمحوا للقبائل العربية بالدخول في الإسلام إن شاءت، وكانت هذه موقعة بدر. أما أحد والأحزاب فقد حدثتا بسبب قدوم الكفار في عامي 3 هجرية، و5 هجرية للإنتقام من المسلمين، فكان المسلمون يدافعون عن أنفسهم.

وحينما وقع الرسول معاهدة الصلح مع مكة في الحديبية ساد السلام وأخذ المسلمون يدعون العرب بحرية، ودخلت القبائل في الإسلام أفواجاً. وحينما نقضت مكة الصلح، وتركت حلفاءها يهاجمون حلفاء المسلمين، خرج الرسول إليها وقام بفتحها بدون إسالة قطرة دم واحدة.

وبعد أن دخل مكة منتصراً بعد أن خرج منها قبل ثماني سنوات مستخفياً لا يأمن على حياته، جمع كل الكفار أمامه عند الكعبة، أولئك الذين آذوه واضطهدوه هو وأتباعه، واتهموه بأنه ساحر وكاهن ومجنون، وقتلوا عمه حمزة وابن عمه أبي عبيدة، أولئك الذين كانوا يرمونه بالحجارة ويضعون الأوساخ على ظهره بينما هو ساجد يصلي قرب الكعبة.

قال لهم : ما تظنون أني فاعلٌ بكم ؟.

أجابوه وهم يرتجفون : خيراً. أخٌ كريم وابن أخٍ كريم !.

هل قال لهم : الآن تقولون أني أخٌ كريم وابن أخٍ كريم ؟ هل حاسبهم على ما فعلوه معه ؟ هل ذكرهم بقتلهم لأقاربه ؟ هل ذكرهم بمقاطعتهم لأسرته بني هاشم لمدة ثلاث سنوات، لدرجة أن عمه الحبيب أبو طالب وزوجته خديجة أنهكا وماتا بعد انتهاء المقاطعة بأسابيع قليلة ؟. هل ذكرهم بما فعلوه به يوم أُحد : كسرت أسنانه وشجت رأسه، وانغرز حديد خوذته في لحم خده، لدرجة أنه أصيب بصداع نصفي بعدها ظل يلازمه حتى وفاته ؟.

هل قال لهم شيئاً من ذلك ؟. لا !. فقط قال لهم على إثر قولتهم السابقة : اذهبوا فأنتم الطلقاء !.

هكذا ببساطة !. عفى عنهم رغم كل ما كان. لم يحاول حتى تذكيرهم بما فعلوه به ليشعروا بالامتنان نحوه على عفوه عنهم. مثال باهر وراقٍ في العفو عند المقدرة.

هل هذه أخلاق همجية ؟.

بعد سقوط مكة – القوة الكبرى في الجزيرة العربية – وصل للرسول أن أهل الطائف – القوة الكبرى الثانية في الجزيرة العربية – يعدون العدة لملاقاته وإنقاذ حلفائهم كفار مكة، فاستنفر قواته وذهب إليهم، وكانت هذه موقعة حنين والطائف.

وحينما أرسل الرسول رسالة إلى ملوك الغساسنة المتحالفين مع الروم، يدعوهم فيها الى الإسلام، قام أحدهم بقتل حامل الرسالة، فجهز الرسول جيشاً لتأديب الغساسنة كي لا يتطاول أحد على هيبة الدولة الإسلامية الوليدة، وبسبب ذلك جرت موقعة مؤتة. ثم بعدها بسنين علم الرسول بأن الروم يجهزون جيشاً للقدوم إلى المدينة وقتال المسلمين بعد أن قويت شوكتهم وأصبحت الجزيرة العربية كلها تحت رقعة الدولة الإسلامية الوليدة، فسارع بتجهيز جيش من المسلمين وسار بهم إلى الروم، في موقعة تبوك التي لم يحدث بها قتال، لأن الروم كان لديهم ما يكفيهم من خلافات داخلية، لذلك عادوا أدراجهم. ثم علم الرسول بعدها بسنة أنهم يجهزون جيشاً جديداً لقتال المسلمين، فجهز جيش أسامة لملاقاتهم، لكنه توفي قبل ذلك، فقام أبو بكر بتسيير الجيش.

هكذا كانت معارك المسلمين زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، وبعد وفاته وجد المسلمون أن لديهم رسالة يجب عليهم توصيلها لجميع أقطار الأرض، ولم يكن في الإمكان إرسال الدعاة ليدعوا في سلام، لأن الإمبراطوريتين الفارسية والرومية كانتا قد أبديتا هجوماً وعدم قبول للإسلام، لهذا كان القتال واجباً لإسقاط الحكام الظالمين وإتاحة الفرصة للشعوب وعامة الناس في معرفة الإسلام والاستماع إلى تعاليمه بدون قيود.

والدليل على ذلك أن المسلمين لم يرسلوا أي جيوش إلى الحبشة، التي كان حاكمها قد سمح لهم بالدعوة فيها بحرية وبدون بطش بالدعاة.

يقول الكاتب اليهودي توماس كارليل في كتابه “محمد المثل الأعلى” :

” كانت نية هذا النبي قبل عام 622 م أن ينشر دينه بالحكمة والموعظة الحسنة، وقد بذل فى سبيل ذلك كل جهد، ولكنه وجد الظالمين لم يكتفوا برفض رسالته ودعوته، بل عمدوا إلى إسكاته بشتى الطرق من تهديد ووعيد واضطهاد حتى لا ينشر دعوته.

وهذا ما دفعه إلى الدفاع عن نفسه والدفاع عن دعوته وكأن لسان حاله يقول: أما وقد أبت قريش إلا الحرب فلتنظر إذن أي قوم نحن”.



ويقول رداً على القائلين بأن النبي نشر الإسلام بالسيف :

“أرى أن الحق ينشر نفسه بأية طريقة حسبما تقتضيه الحال. ألم تروا أن النصرانية كانت لا تأنف أن تستخدم السيف أحياناً، وحسبكم ما فعله شارلمان بقبائل الساكسون. أنا لا أحفل أكان انتشار الحق بالسيف أم باللسان أم بأية طريقة أخرى. فلندع الحقائق تنشر سلطانها بالخطابة أو بالصحافة أو بالنار. لندعها تكافح وتجاهد بأيديها وأرجلها وأظافرها فإنها لن تنهزم أبداً. ولن يُهزم منها إلا ما يستحق الفناء”.

بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول موصياً إحدى السرايا التي أرسلها لقتال الكفار، فيما يرويه ابن كثير في كتابه “البداية والنهاية” :

“اغزوا جميعاً في سبيل الله فقاتلوا من كفر بالله، لا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً، فهذا عهد الله وسيرة نبيكم فيكم”.

وحينما تولى أبو بكر الصديق الخلافة وقف يعظ جيش أسامة وهو ذاهب لمحاربة الروم، فقال فيما يرويه الطبري في تاريخه :

” ثم قال يا أيها الناس قفوا أوصكم بعشر فاحفظوها عني، لا تخونوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا طفلاً صغيراً ولا شيخاً كبيراً ولا امرأة، ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيراً إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له”.

والحقيقة أن جيوش العالم في يومنا هذا بحاجة لمثل هذه الوصايا العظيمة، التي تنبيء كيف كانت أخلاق المسلمين في الحروب. هل هذه كلمات تدعو للهمجية والعنف ؟.

إن الجهاد بالنسبة للإسلام هو تماماً كالواجب القومي الذي يحتم على أي مواطن في أي دولة أن يدافع عنها في حالة إذا ما تعرض أمنها القومي للخطر، فلماذا تصبح جيوش دول العالم كلها محل تفهم ونأتي إلى الإسلام فنقول: يا إلهي ! لقد جعل القتال واجباً في حالات كذا وكذا وكذا !.

نعم يا سيدي الفاضل، الإسلام فرض على المسلمين الجهاد والقتال والتضحية بالغالي والنفيس، بالأنفس والأموال، في عدة حالات، أهمها إذا ما تعرضت الأمة لخطرٍ خارجي أو حتى داخلي، وهو شيء لا نخجل منه، وليس من الهمجية في شيء، بالعكس هو قمة قمة الحضارة : أن توجد قوة فتحمي الحق، وتحمي حق اختيار الناس للدين الذين يرغبون في اعتناقه.

يقول الدكتور أنور زناتي في كتابه “معجم افتراءات الغرب على الإسلام” :

” لا يكلف المستشرق نفسه البحث في حقيقة دوافع المسلمين في الفتوحات الإسلامية، وهي نشر رسالة الإسلام التي تدعو إلى تحرير البشر من العبودية للإمبراطوريات السابقة بل من كل أنواع العبوديات، وفتح الطريق أمام دعوة الله عز وجل. وقد أثبتت الفتوحات نفسها مدى بُعد الغالبية العظمى من الجيش الإسلامي عن الطمع في الغنائم، وهذا جندي ينقل كنوز كسرى إلى المدينة المنورة فيسلمها كما هي فيتعجب عمر بن الخطاب من أمانته، فيقول علي بن أبي طالب “عففت فعفت الرعية، ولو رتعت لرتعوا” وكان جنود المسلمين “رهباناً بالليل فرساناً بالنهار”.

ويتحدث في موضوع آخر عما فعله صلاح الدين الأيوبي عندما دخل القدس، فيقول :

فعندما دخل بيت المقدس اتجه الى المسجد الأقصى الشريف فصلى وسبح بحمد ربه واستغفر ثم اتجه الى قبة مسجد الصخرة فأنزل الصليب المعلق عليها وعطرها، وأراد بعض الجند أن يحولوا كنيسة القيامة إلى مسجد، فأبى القائد المظفر وأمر بتركها مفتوحة.

وكان سقط فى يده سبعين ألف صـــليبي ( وهو نفس عدد المسلمين الذين ذبحوا قبل 88 سنة ) وأشار عليه البعض أن يثأر للمسلمين مما فعله الصليبيون عندما دخلوا بيت المقدس فجعلوه مخاضة من الدماء، فأبى ثم سمح لهم بالخروج آمنين سالمين إلى حيث شاءوا من المدن الأخرى، كما سمح للأميرات بالخروج مصونات مكرمات ومعهن الأمتعة والملابس، وكل ما يمكن حمله، ومع كل أميرة حاشيتها وخدمها وكلهن فى أمن وطمأنينة، ثم فرض على كل أسير دية صغيرة قدرها عشرة دنانير على الموسرين، ودينار على الفقير، ثم علم أن هناك أربعة الآف أسير لا يجد الواحد منهم ديناراً يدفعه فدفع من ماله الخاص ديتهم فخرجوا فى سلام وأمان، حتى الأساقفة خرجوا محملين بمقتنيات الكنائس وفيها تحف من الذهب والفضة فلم يتعرض لهم أحد، وهكذا من مئات القصص حتى لقد انتقد بعض المؤرخين موقف الناصر صلاح الدين من إطلاق الأسرى على هذه الشاكلة حيث كونوا جيباً قوياً في مدينة “عكا”، والتي استقبلت فيما بعد حملة صليبية جديدة من البحر. أليس هذا النموذج كافياً وحده ليوضح إنسانية حضارة الإسلام فى مقابل وحشية وعنف ثقافة الغرب ؟ إن القائد العظيم اقتدى برسوله الكريم (صلى الله عليه وسلم ) عندما قال لمن آذوه وأتباعه وضيقوا عليه وبغوا به القتل : “اذهبوا فانتم الطلقاء”، وبهذا الخلق الرفيع ارتقت حضارة الإسلام، ولقنت الغرب – كما يقول أحد المؤرخين – البرابرة الغربيين درساً في الأخلاق كانوا في أشد الحاجة إليه “.

هل هذه تصرفات هجمية ؟

ويقول العلامة دافيد دي سانتيلا :

“إن المستوى الأخلاقي الرفيع الذي يسم الجانب الأكبر من الشريعة الإسلامية قد عمل على تطوير وترقية مفاهيمنا العصرية، وهنا يكمن فضل هذه الشريعة الباقي على مر الدهور؛ فالشريعة الإسلامية ألغت القيود الصارمة والمحرمات المختلفة التي فرضتها اليهودية على أتباعها، ونسخت الرهبانية المسيحية، وأعلنت رغبتها الصادقة في مسايرة الطبيعة البشرية والنزول إلى مستواها، واستجابت إلى جميع حاجات الإنسان العملية في الحياة، تلك هي الميزات التي تسم الشريعة الإسلامية في كبد حقيقتها “.

هل هذه صفات تأمر بالهمجية ؟.

ويقول المستشرق الفرنسي (كارادى فو) :

“والسبب الآخر لاهتمامنا بعلم العرب هو تأثيره العظيم في الغرب، فالعرب ارتقوا بالحياة العقلية والدراسة العلمية إلى المقام الأسمى في الوقت الذي كان العالم المسيحي يناضل نضال المستميت للانعتاق من أحابيل البربرية وأغلالها، لقد كان لهؤلاء العلماء (العرب) عقول حرة مستطلعة”.

فالعرب بعد الإسلام أصبحوا حضارة عظيمة، أبعد ما تكون عن الهمجية، وذلك بفضل تعاليم القرآن الكريم والأخلاق التي زرعها فيهم.

يقول مارسيل بوازار :

“لقد أظهرت الرسالة القرآنية وتعاليم النبي محمد أنها تقدمية بشكل جوهري، وتفسّر هذه الخصائص انتشار الإسلام السريع بصورة خارقة خلال القرون الأولى من تاريخه”.

وتقول زيغريد هونكه :

“.. إن الإنسانية والتسامح العربي هما اللذان دفعا الشعوب ذات الديانة المختلفة إلى أن تعيش في انسجام مدهش.. وأن تبدأ نموها وتوسعها وازدهارها ولأول مرة يتحرر أصحاب المذاهب المسيحية من اضطهاد كنيسة الدولة فتنتشر مذاهبهم بحرية ويسر”

ويقول ليوبولد فايس :

“.. إن الإسلام دعوة خالدة إلى التقدم المطرد في كل نواحي الحياة الفكرية والروحية والسياسية على حد سواء”.

هل تجد في كل هذا دعوة للعنف وإقرار للعرب على همجيتهم وبدائيتهم ؟.

حادي عاشر : أنت تتكلم عن مكونات القرآن، وذكرت – بما لديك من علم بليغ لاحظه الجميع من بداية كلامك لنهايته – أن القرآن يتكون من كذا وكذا وكذا :

والحقيقة أن القرآن يتكون من ثلاثة أقسام رئيسية :

1 – عقيدة :

وتشمل الإيمان بالله وإخلاص العبادة له وتوحيده عن الشركاء وتنزيهه عن أي نقص، والإيمان بالملائكة والرسل السابقين والكتب السماوية والبعث والحساب والقضاء والقدر.

2 – تشريع :

ويشمل تنظيم حياة المسلمين من تشريع جنائي وتشريع إقتصادي وتشريع إجتماعي وتشريع سياسي، وما يندرج تحت هذا من أحكام بخصوص المأكل والمشرب والملبس والزواج والطلاق والمواريث والوصية والبيع والشراء والإيجار والقروض والمضاربة والرهون والعقود والكفالة والشراكة والقضاء والدعاوي والبيانات والشهادة والإقرار والربا والشورى والحدود والتعزير والقصاص إلخ.

وكانت أهداف الشريعة الأساسية هي المحافظة على خمسة أمور : الدين والنفس والعرض والعقل والمال في المجتمع الإسلامي، وتقوم على سبعة مباديء : مبدأ المساواة والعدل والرحمة والتعاون والتكافل الاجتماعي والتسامح والحرية.

3 – عبادات :

وتشمل الطهارة والصلاة والصوم والزكاة والصدقة والحج والعمرة والذكر والدعاء والكفارات والأضاحي إلخ.

وتحت هذه الأقسام الثلاثة جاء ما في القرآن من قصص الأنبياء والأمم السابقة ومجادلة المشركين وأهل الكتاب والأوامر والنواهي والتعليقات على الحوادث التي جرت في حياة المسلمين زمن النبي والتي جاء في سياقها توضيح الكثير من الأحكام والمسائل في الجانب التشريعي، مثل مشاكل الرسول مع زوجاته، والتي تم من خلالها توضيح أغلب أحكام الزواج والطلاق.

ولن تجد آية واحدة في القرآن تخرج عن هذه الأقسام الثلاثة.

وهذه الأقسام الثلاثة مسخرة لهدف واحد : تقديم المعرفة الكافية للإنسان ليقوم بمهمة الخلافة في الأرض التي خلقه الله من أجلها. فللقيام بهذه المهمة يحتاج الإنسان إلى معرفة خالقه الذي كلفه بهذه المهمة – العقيدة – ويحتاج إلى نظام محكم ينظم له أوجه حياته المختلفة – الشريعة – ويحتاج إلى عبادات تعينه على الرقي بروحه ونفسه فيستطيع الاستمرار في خضم متاعب الحياة ومشاقها.

يقول دكتور أنور زناتي في كتابه “معجم افتراءات الغرب على الإسلام”، في معرض الحديث عن الاختلاف بين محتوى القرآن ومحتوى الكتب السماوية السابقة :

نقرر هنا حقيقة واضحة لمن يقرأ التوراة والأناجيل والقرآن، هى أن التوراة تتكلم فى السفر الأول عن “التكوين” وهو بدء الخلق، ثم تورد سفر “الخروج” وهو خروج بني إسرائيل من مصر، ثم سفر اللاويين وأغلب ما ورد فيه كلام عن القرابين، وكلام عن الكهنة ونفوذهم، ثم سفر العدد وهو يتكلم عن أعداد بني إسرائيل فى مناسبات مختلفة، ثم سفر التثنية وفيه بعض التشريعات لبني إسرائيل وتهديدات لمن يخالف هذه التشريعات.

وهذه هي الأسفار التى تسمى التوراة، وهناك أسفار أخرى شملها العهد القديم وهي قصص حياة أشخاص مثل : صموئيل ـ عزرا ـ نحميا ـ أيوب ـ عاموس ـ حجى.

أما العهد الجديد فهو يحكى قصة عيسى عليه السلام على لسان متى ومرقص ولوقا ويوحنا.

والقرآن الكريم نسق آخر بعيد كل البعد عن مسيرة الكتاب المقدس (العهد القديم والعهد الجديد).

ثم إنه بعيد عن ثقافة الجاهلية إذا افترضنا أنه كانت للجاهلية ثقافة، فلا نعرف للجاهلية ثقافة غير الشعر والتجارة والكرم وحماية المستجير.

فالسور القرآنية التى نزلت بمكة تهتم بأصول الشريعة والدعوة إلى هذه الأصول كالإيمان بالله ورسله وكتبه وملائكته واليوم الآخر والأمر بمكارم الأخلاق.

أما السور المدنية فتهتم بالتشريع كالبيع والإجارة والربا والأحوال الشخصية، وكان اتجاه هذه السور لهذه الموضوعات بعد أن تكون مجتمع إسلامي بالمدينة يحتاج للإرشاد، وتقديم أسس الحياة الجديدة لهذا المجتمع.

وعلى هذا فالقرآن الكريم نسق وحده وليس بحال من الأحوال مستمداً من الكتب السابقة “.

ثاني عشر : من خلال الآيات التي قمت بتأليفها – والتي تدور كلها حول عدم ضرب الزوجات وحسن معاملتهن إلخ – وصلني انطباع ضمني أنك تعتقد أن الإسلام لم يحسن إلى المرأة ولم يعطها حقوقها :

ولما كان ذلك مخالفاً للحقيقة، كان لزاماً علي أن أوضح لك موقف الإسلام من المرأة.

ولنبدأ بالكلام عن موقف نموذج المسلمين الأسمى والأكمل في التعامل مع المرأة : الرسول صلى الله عليه وسلم.

تزوج الرسول صلى الله عليه وسلم لأول مرة حينما كان في الخامسة والعشرين من عمره.

وقبل هذا السن لم يُعرف عنه – كما تخبرنا روايات التاريخ – سوى العفة والحياء، فلم تكن له أي علاقات عاطفية أو غير عاطفية خارج إطار الزواج. في سن الخامسة والعشرين تزوج السيدة خديجة التي كانت تكبره بخمسة عشر عاماً، وأنجب منها بناته الأربع وأبنائه الثلاثة الذين توفوا وهم صغار.

وظل مع السيدة خديجة حتى ماتت في السنة العاشرة من البعثة النبوية، وكان عمره صلى الله عليه وسلم حينها خمسون عاماً.

أي أنه حتى سن الخمسين – الرسول مات وعمره 63 سنة – كان متزوجاً بامرأة واحدة، وتكبره بخمسة عشر عاماً، وحينما توفيت كان عمره 65 عاماً في حين كان عمره 50.

وبعد وفاة زوجته خديجة هل تزوج مباشرة ؟. لا !. ظل سنتين بغير زواج، ثم تزوج بالسيدة سودة بنت زمعة.

من هي سودة بنت زمعة ؟ مسلمة في الستين من عمرها، هاجرت مع زوجها إلى الحبشة، ثم عادا، وتوفي زوجها، وكان أهلها من الكفار سيفتنونها في دينها، ولم يكن أحد من المسلمين سيتزوج بامرأة عجوز في هذه السن، فتقدم الرسول صلى الله عليه وسلم وتزوجها.

وفي السنة الثانية للهجرة – بعد وفاة خديجة بخمس سنوات – تزوج الرسول بالسيدة عائشة، وكان في الخامسة والخمسين من عمره.

أي أن الرسول حتى سن الخامسة والخمسين من عمره لم يكن قد تزوج سوى السيدة خديجة، بالإضافة للسيدة سودة بنت زمعة، وهذا لا يمكننا أن نعتبره زواجاً بقدر ما هو حفظ وإكرام ورحمة بهذه السيدة المسنة.

وفي الثماني سنين الأخيرة من حياته صلى الله عليه وسلم تزوج بقية زيجاته، التي مازال المشككون يطنطنون حولها حتى الآن.

السؤال الآن : لماذا تزوج الرسول كل هذه الزيجات ؟

هل كان ذلك بدافع دنيوي ؟ رغبة الرجال الطبيعية في النساء ؟.

المنطق يقول لنا أننا أمام رجل بقي حتى الخامسة والعشرين بدون زواج، وحينما تزوج بقي مع زوجته خمساً وعشرين عاماً دون أن يتزوج عليها، وبعد وفاتها بقي عامين بغير زواج، ثم تزوج بسيدة مسنة، بالتأكيد لن تلبي رغباته، وبعد ذلك بسنين عديدة تزوج بفتاة شابة.

هل هذه شخصية شخص لديه رغبات لا تنتهي في النساء ؟.

هل تفجرت رغباته فجأة وهو في يقترب من الستين، سن الشيخوخة التي تقل فيها رغبات الرجال؟.

إذن لماذا تزوج الرسول في آخر ثماني سنين من حياته بتسع نساء ؟.

أولاً هو لم يتزوجهن كلهن مرة واحدة، بل على مدار سنين. وتزوج كل واحدة لأسباب معينة، بعيدة كل البعد عن الأسباب الدنيوية :

1 – أسباب دعوية :

وتحت هذا السبب تزوج السيدة عائشة بنت أبي بكر الصديق.

بالنسبة للمسلمين؛ كان الرسول صلى الله عليه وسلم هو النموذج التطبيقي لدعوة الإسلام، سواءً في الأخلاق أو التعاملات أو أسلوب العبادات إلخ، وقد كان الصحابة يصحبونه في كل مكان ويلتصقون به ليأخذوا عنه أكبر قدر ممكن من العلم والدين، لكن ذلك لم يكن كافياً، لذلك استلزم الأمر شخصاً يلازم النبي ليل نهار ويعرف كل كبيرة وصغيرة عنه لينقلها إلى المسلمين، شخص ذكي وصغير السن يمكنه أن يحفظ ويتعلم بسهولة. وكان هذا الشخص هو السيدة عائشة، التي كانت بعد وفاة الرسول من كبار علماء الإسلام، وكانت تروي الحديث وتفتي ويأتي الرجال إليها ليتعلموا منها.

والسيدة عائشة تعتبر أول امرأة يتزوجها الرسول بعد وفاة السيدة خديجة، وهي كانت تعتبر نفسها زوجته الأولى، وتغار عليه من بقية زوجاته غيرة الزوجة الأولى على زوجها. ولا أعتقد أن لدى أي أحد أي مشكلة بخصوص زواجه منها سوى سنها الصغير، فقد تزوجها الرسول وهي في التاسعة أو العاشرة من عمرها، وهو ما يعتبره المستشرقون “زواج بطفلة”.

المشكلة هنا أن القائلين بهذا القول ارتكبوا خطأين، أولها أنهم أهملوا أن اختلاف البيئات يؤدي إلى اختلاف سن نضج المرأة – والرجل كذلك – ففي البيئات الباردة تبلغ المرأة غالباً بعد الخامسة عشر بعدة سنين – يختلف الأمر من شخص لآخر – أما في البيئات الصحراوية الحارة فالمرأة تبلغ مبكراً – يبدأ البلوغ في البيئات الصحراوية الحارة من سن الثامنة – ونحن نهمل كذلك أن اختلاف الزمن له تأثير كبير، ففتاة في الخامسة عشر من عمرها في عشرينات القرن العشرين سنجد أنها امرأة بالغة وناضجة، تتزوج وتنجب وتشرف على بيت كامل، بينما في وقتنا الحالي فتاة في الخامسة عشرة من عمرها سنجد أنها طفلة تتابع بشغف الرسوم المتحركة وتبكي لو غير والدها المحطة !.

فالسيدة عائشة حينما تزوجت بالرسول كانت امرأة ناضجة جسداً وعقلاً.

والخطأ الثاني الذي ارتكبه المستشرقون – في هذه النقطة وفي غيرها – أنهم يحاولون الحكم على أعراف القرن السابع الميلادي بأعراف القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين !.

في القرن السابع الميلادي كان من الطبيعي جداً أن تتزوج الفتاة – التي قلنا أنها بالغة وناضجة – في العاشرة. والدليل على ذلك أن السيدة صفية بنت حيي بن أخطب الذي كان من زعماء اليهود، تزوجت للمرة الأولى وهي في الثانية عشرة من عمرها، ولم يثر ذلك استغراب أحد لا من اليهود ولا من العرب، لأن ذلك كان أمراً طبيعياً جداً حتى عند اليهود.

وجميع أعداء الرسول والمشككين في الإسلام لم يثيروا هذه النقطة في ذلك الوقت، ولا بعده بعدة قرون، لأن الأمر كان طبيعياً، ليس من ناحية العادات والتقاليد والأعراف فقط، ولكن كذلك من الناحية الفيزيولوجية والنفسية للمرأة.

لذلك لو حاولنا – في أي مسألة تقابلنا في هذا الخصوص – النظر إليها من منطلق أن تلك الأحداث دارت وسط أعراف القرن السابع الميلادي وليس منذ عدة سنوات سنستريح كثيراً !.

يقول المؤرخ جوستاف لوبون في كتابه “حضارة العرب” :

“ليس بالهين اليسير أن تدرك أسلوباً من الحياة لأمة من الأمم حتى تفترض كونك في هذه الأمة، يحيط بك ما يحيط بها، ويحتكم بذات نفسك ما يحتكم بذات نفوسها. فأما أن تحكم وأنت متأثر بطباع قومك وعاداتهم، وما يحيط بهم من وسط وجو وبيئة، على نظام قوم لا يشاكلونك في شيء مما أنت فيه، فذلك ليس من الرأي في شيء”.

ب – أسباب أخلاقية :

وتحت هذا السبب تزوج السيدة سودة بنت زمعة وزينب بنت خزيمة وأم حبيبة بنت أبي سفيان وأم سلمة.

وقد تحدثنا منذ قليل عن ظروف زواجه بالسيدة سودة.

أما السيدة زينب بنت خزيمة وأم حبيبة وأم سلمة، فقد مات أزواجهن وأصبحن أرامل، وكانت كلاً منهن لديها أطفال، وكانت لكلٍ منهن ظروفها الخاصة، فتزوجها الرسول صلى الله عليه وسلم ليضرب مثلاً لبقية المسلمين في الزواج بالأرامل والعناية بهن وعدم نبذهن.

فمثلاً السيدة أم حبيبة بنت أبي سفيان – زعيم كفار مكة – كانت قد هاجرت مع زوجها إلى الحبشة، وفي بلاد الغربة ارتد زوجها عن الإسلام وتركها وأخذ يعاقر الخمر ليل نهار، ووصل خبر هذه المرأة – التي تخلى عنها أبوها وتخلى عنها زوجها – إلى الرسول، فأرسل إلى النجاشي ملك الحبشة يطلب منه أن يعقد له عليها. وتم عقد القران، والرسول في المدينة، والسيدة أم سلمة في الحبشة، وظلت هناك سنين طويلة، ولم تعد هي وأطفالها إلا مع العائدين في أواخر سنة 6 هجرية. أي أن الرسول عقد عليها فقط ليحفظها ويكرمها، ولأنه لم يكن في الإمكان أن يتزوجها أحد غيره، لأنها بنت أبي سفيان، ولم يكن أحد من المسلمين ليرضى بمصاهرة أبي سفيان زعيم الكفار، حتى ولو كانت ابنته مسلمة. وعلى الجهة الأخرى، فكونها ابنة أبي سفيان يعني أنها ذات حسب ونسب، ولم تكن لترض بأي أحد من عامة المسلمين. وأعتقد كذلك أن الرسول تزوجها مجاملة لأبي سفيان وتأليفاً لقلبه، وطمعاً في إسلامه ذات يوم، وقد حدث ذلك فعلاً.

وأم سلمة كانت كبيرة السن ولديها لديها أربع أطفال : عمر وسلمة ودرة وزينب، وتوفي عنها زوجها أبو سلمة، وكان من كبار أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم والسابقين في الإسلام. وتقدم كثيرون من المسلمين لخطبتها فلم ترض بهم لأنهم ليسوا مثل زوجها المتوفى أبو سلمة. فتقدم لها الرسول صلى الله عليه وسلم، فقالت له : “أي رسول الله وما تريد إلي ؟ ما أقول هذا إلا رغبة لك عن نفسي، إني امرأة قد أدبر مني سني وإني أم أيتام، وإني شديدة الغيرة”.

فقال لها الرسول : “فلا يمنعك ذلك، أما ما ذكرت من غيرتك فيذهبها الله، وأما ما ذكرت من سنك فأنا أكبر منك سناً، وأما ما ذكرت من أيتامك فعلى الله وعلى رسوله”.

فوافقت عللى الزواج به. ليضع الرسول صلى الله عليه وسلم لبقية المسلمين مثالاً يحتذى في الزواج بالأرامل كثيرات الأولاد وعدم نبذهن.

أما السيدة زينب بنت خزيمة فكانت زوجة ابن عم الرسول أبو عبيدة، الذي أصيب في معركة بدر وتوفي متأثراً بجراحه، فتزوجها الرسول ليضرب مثلاً للمسلمين في العناية بالأقارب وذوي الرحم، لكنها توفيت بعد ثمانية أشهر من زواجها به.

هكذا نجد أن الرسول في زيجاته الأربع هذه انتقى نماذج معينة من النساء : فكل واحد منهن بها صفة أو أكثر من هذه الصفات : أرملة – تخلى عنها زوجها – ذات عيال – كبيرة السن، ليضرب مثلاً للمسلمين في كل نموذج ليكملوا بعده ولا يتخلوا عن النساء اللاتي جار عليهن الزمن.

ج – أسباب إجتماعية :

وتحت هذا السبب تزوج السيدة زينب بنت جحش.

يقول الشيخ الشعراوي في تفسيره :

“رسول الله جاء ليبين للناس ما نزل عليهم، وجعله ربه أسوة سلوكية في الأمور التي يعز على الناس أن يستقبلوها، فنفذها رسول الله في نفسه أولاً كما قلنا في مسألة التبني”.

فقد كانت العرب تعمل بالتبني، فكان الرجل ينسب لغير أبيه، وكان الرسول قد تبنى زيد بن حارثة، فكان الناس ينادونه زيد بن محمد. وتزوج زيد بن حارثة بالسيدة زينب بنت جحش بنت عمة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم وقعت بينهما مشاكل فتطلقا.

وجاء تشريع من الله بإلغاء التبني وبنسب الأولاد لآبائهم لا لغيرهم، فأصبح زيد يدعى زيد بن حارثة، نسبة إلى أبيه.

لكن ذلك لم يكن كافياً لإلغاء موضوع التبني نهائياً من عرف الناس ووجدانهم، فأمر الله رسوله أن يتزوج بزينب بنت جحش التي كانت زوجة ابنه بالتبني، ليدرك الناس أن التبني لم يتم إلغاؤه اسماً بل تطبيقاً كذلك، لأن الرجل لا يتزوج زوجة ابنه، ومادام الرسول تزوج زينب بنت جحش فهذا يعني أن ابنه بالتبني لم يعد ابنه ولا يقع عليه ما يستتبع الأبوة والبنوة من تحريم الزواج بزوجة الابن. وقد شعر الرسول بالحرج في البداية وخشى مما سيقوله الناس، فأنزل الله كلاماً قاطعاً فيه عتاب رقيق لنبيه :

(وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ [الأحزاب : 37])

ونزل الحكم بشكل قاطع :

(فلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً [الأحزاب : 37])

فكان زواج النبي من زينب بنت جحش بأمر إلهي ولغرض إجتماعي وهو إلغاء التبني إلغاءً نهائياً.

د – أسباب سياسية :

وتحت هذا السبب تزوج الرسول السيدة حفصة بنت عمر بن الخطاب وجويرية بنت الحارث وصفية بنت حيي بن أخطب.

لم تكن مصادفة أن الرسول تزوج ابنتي وزيريه المخلصين أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب، وزوج بناته لعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان، والأربعة أصبحوا خلفاءه من بعده. وكأنه صلى الله عليه وسلم يمنحهم ميزة مصاهرته ومناسبته لتكون مساعدة لهم في مهمة حكم المسلمين في مجتمع لم يتخلص بالكامل من العصبية القبلية والاهتمام بالأحساب والأنساب والمصاهرات. ولهذا السبب تزوج بالسيدة حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

وبالنسبة للسيدة صفية بنت حيي، فقد كان والدها من ألد أعداء الإسلام، ألب اليهود والعرب على المسلمين، وكان الرأس المخطط وراء مجيء العرب في عشرة آلاف مقاتل لحصار المدينة في غزوة الخندق، وأقنع يهود بني قريظة أن يخونوا عهدهم مع الرسول ويهددوا المدينة من أسفل ويحاولوا مهاجمة النساء والأطفال.

ولما انتهت المعركة بانتصار المسلمين تم قتله قصاصاً كمجرم حرب، لكن على الجانب الآخر أصبح هناك تاريخ كبير من العداء مع اليهود. ولما رآها الرسول قال لها : “لم يزل أبوك من أشد يهود لي عداوة حتى قتله الله”. فقالت : يا رسول الله إن الله يقول في كتابه : ولا تزر وازرة وزر أخرى. فقال لها الرسول : “اختاري؛ فإن اخترتِ الإسلام أمسكتك لنفسي، وإن اخترتِ اليهودية فعسى أن أعتقك فتلحقي بقومك”.

فقالت : يا رسول الله لقد هويت الإسلام وصددقت بك قبل أن تدعوني، ومالي في اليهودية أرب، ومالي فيها والد ولا أخ، وخيرتني الكفر والإسلام، فالله ورسوله أحب إلي من العتق وأن أرجع إلى قومي.

فقال الرسول لمن حوله : “قوموا عن أمكم”. وكان ذلك إيذاناً بتشريفها عليها السلام بزواجه منها.

فأراد النبي بذلك أن يترك الباب موارباً لليهود ويتألف قلوبهم وذلك بالزواج من واحدة منهم، وليست أي واحدة : ابنة أكبر يهودي عادى المسلمين، حيي بن أخطب سيد يهود بني النضير.

وإلى يومنا هذا؛ إذا اتهم أحدٌ المسلمين بأنهم عنصريين ويعادون اليهود نقول لهم : كيف وإحدى زوجات نبينا – أمهات المؤمنين – يهودية ؟ نحن نعادي فقط من يسرق أرضنا.

أما جويرية بنت الحارث فهي ابنة زعيم بني المصطلق. وبني المصطلق قبيلة كبيرة عادت المسلمين وكانت تعد العدة للهجوم عليهم في المدينة، وكعادة المسلمين لم ينتظروا حتى يقع البلاء، بل خرجوا إليهم في ضربة استباقية قبل أن يصلوا إلى المدينة، فقاتلوهم وهزموهم. وتم توزيع أموالهم ونساؤهم على المسلمين كأسرى حرب وسبايا.

وكانت جويرية ممن أسرن، فاستعانت برسول الله لتحرير نفسها بالمكاتبة، فخيَّرها الرسول بين المساعدة وبين الأداء الكامل عنها والزواج بها، فاختارت الزواج.

وحينما أعلن الرسول أنه سيتزوج جويرية ابنة زعيم القبيلة، تساءل المسلمون : أنأخذ أصهار رسول الله أسرى وسبايا ؟ فأطلقوا سراح القبيلة وأعادوا كل ما أخذوه من أموال وممتلكات، وكان عدد من أطلقوهم حوالي 100 بيت، فتأثر بنو المصطلق بموقف المسلمين فأسلموا كلهم وانضموا إلى الدولة الإسلامية الوليدة، فكان الرسول بعيد النظر بهذه الزيجة التي علمت المسلمين إعتاق الأسرى، وأدت إلى إسلام كل القبيلة.

تقول عائشة رضي الله عنها عن جويرية : “ما أعلم امرأة أعظم بركة منها على قومها”.

هذه هي الظروف والأسباب التي تزوج فيها الرسول جميع زيجاته.

لكن لماذا فرض الإسلام التعدد أصلاً، مع ما فيه من ضرر نفسي للمرأة ؟.

الغريب في هذا السؤال أن الإسلام لم يفرض التعدد !. لقد كان التعدد موجوداً قبل الإسلام بآلاف السنين، حتى اليهود مارسوه، فالتوراة تروي لنا أن نبي الله داود كان متزوجاً بألف امرأة !.

وكان في العرب رجالاً متزوجين بعشر نساء وبعشرين !.

وكان بإمكان الإسلام أحد أمرين : إلغاء التعدد تماماً أو تقنينه ووضع بعض الحدود له.

ولكن إلغاء التعدد عملياً غير ممكن، لأن الإسلام لو منع التعدد، مع ما نعرفه من أن أعداد النساء في أغلب المجتمعات أكبر من أعداد الرجال، وبافتراض أن كل رجل سيتزوج امرأة واحدة، فسنجد أن هناك أعداداً هائلة من النساء لن يجدن زوجاً وسيصبحن عوانس !، وبالتالي سيكون الإسلام قد ظلم المرأة لو منع التعدد بشكل كامل، لأنه يكون أحياناً ضرورة إجتماعية، مثلما حدث في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، حينما قتل أكثر الرجال في الحرب أو أسروا، وأصبح عدد النساء مهولاً بالنسبة لعدد الرجال. في هذا الوقت جاء وفد من ألمانيا إلى مصر ليلتقوا بعلماء الأزهر ليفهموا منهم موضوع تعدد الزوجات وأبعاده ليحاولوا تطبيقه في ألمانيا كحل وحيد للتفاوت العددي الهائل بين الرجال والنساء في ذلك الوقت.

فالتعدد فيه ضرر بالغ بنفسية المرأة، لكنه كذلك في ظروف معينة يكون علاجاً مناسباً لبعض مشاكل المجتمعات، وبالمقارنة العملية بين الضرر الذي سيلحق بالزوجة الأولى والضرر الذي سيلحق ببعض المجتمعات من تفشي العنوسة فيها، وجد الإسلام أن من الحكمة أن يستمر التعدد ولكن بحدود.

لذلك جاء الإسلام بـ”تنظيم التعدد” بدلاً من منع التعدد، فقننه بأن وضع حداً أقصى للعدد الذي يمكن التعديد به، وهو أربعة، ووضع ضوابطاً للحالات التي يسمح فيها بالتعدد، ووضع ضوابطاً للرجل الذي يعدد تقلل قدر الإمكان من الضرر النفسي اللاحق بالمرأة.

وفي الجهة الأخرى لا يمكن للمرأة أن تعدد – كما قرأت في الآيات التافهة التي قمتَ بتأليفها، معتقداً أن ذلك هو العدل ! – ليس لأن هذا سيؤدي إلى اختلاط الأنساب، حينما تكون المرأة متزوجة بعدة رجال، وتحبل فلا يعرف أحد أيهم والد الطفل، وليس لأن طبيعة المرأة ونفسيتها لا تسمح لها بأن تكون لأكثر من رجل، ولكن لأن العلم الحديث – إلهك – أثبت أن المرأة إذا اجتمع بداخلها سائل أكثر من رجل فإنها تكون عرضة للإصابة بسرطان عنق الرحم !. لذلك فالعاهرات اللاتي ينتقلن من رجل لآخر يصبن في النهاية بهذا المرض الخبيث.

طيب لماذا تزوج الرسول تسع نساء بينما التشريع الإسلامي يجعل من حق الرجل المسلم الزواج بأربع نساء فقط كحد أقصى ؟.

الإجابة على ذلك أن المسلم من حقه الزواج بأربع نساء من حيث العدد، أما الرسول فقد تزوج بتسع نساء من حيث المعدود. ما معنى هذا ؟. معناه أنني بإمكاني أن أتزوج أربع نساء، ثم تموت اثنتان منهما، فأتزوج اثنتان جديدتان، أو أطلق الأربع كلهن وأتزوج بأربع غيرهن، وهكذا أكون قد تزوجت بعشرات النساء، شرط ألا أجمع في نفس الوقت سوى أربع نساء تحت عصمتي.

أما الرسول فوضعه مختلف، فهو تزوج بتسع نساء، ولم يعد من حقه الزواج بغيرهن. بمعنى أنه لو ماتت إحداهن فلا يجوز له أن يتزوج بأخرى مكانها، لو طلق إحداهن فلا يجوز له أن يتزوج بغيرها، ولو ماتت التسع زوجات كلهن فلا يجوز له أن يتزوج من جديد !.

بعبارة أخرى : المسلم العادي يتزوج أربع نساء، بغض النظر عن من هن، بينما الرسول يتزوج فلانة وعلانة وفلتكان ولا أحد غيرهن.

فهذا معنى أن الرسول يختلف عن بقية المسلمين في المعدود وليس العدد، أي أنه متزوج من فلانة بشخصها وعلانة بشخصها إلخ، ولا يحق له الزواج من غيرهن ولا أن يطلقهن ويتزوج غيرهن.

ولماذا كان الرسول مختلف عن بقية المسلمين هكذا ؟.

لأن التشريع بالزواج بأربع نساء كحد أقصى بالنسبة للمعددين نزل والرسول متزوج بالفعل من تسع نساء، للأسباب التي ذكرناها (كما قلنا كان التعدد غير محدد بعدد، فجاء الإسلام وقنن الأمر وجعل هناك حداً أقصى) فأمر الرسول المسلمين المتزوجين بأكثر من أربع أن يختاروا أربع زوجات ويطلقوا الباقي. أما بالنسبة له صلى الله عليه وسلم فكانت هناك مشكلتان تحولان بين ذلك: أولاً : لم يكن هو مثل بقية الناس متزوج من عدة زوجات لأغراض دنيوية (رغبة الرجل في المرأة وإنجاب الأولاد إلخ) بل لأسباب أخلاقية وإجتماعية ودعوية وسياسية كما أسفلنا، وبالتالي فإن كان على بقية المسلمين تطليق زوجاتهم اللاتي زدن عن أربع، من باب التقليل من أسباب متعتهم الدنيوية، فكيف يمكن للرسول تطليق خمسٍ من نسائه وهو تزوجهن لأغراض غير دنيوية ؟ تطليقهن سيتنافى مع الأسباب التي تزوجهن من أجلها، فهل يطلق الأرامل ؟ أم يطلق اللاتي تزوجهن ليتألف قلوب قومهن ؟ أم يطلق اللاتي سيحكم آباؤهن الدولة الإسلامية من بعده؟.

المشكلة الثانية كانت أن أزواج النبي لهن مكانة معنوية كبيرة في الإسلام، وهن أمهات المؤمنين عملياً وليس نظرياً :

(النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ [الأحزاب : 6]).

لدرجة أن أبا بكر الصديق كان ينادي عائشة – ابنته – بأمي !، ومن المحرم على المسلمين أن يتزوجوا نساء النبي : (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيماً [الأحزاب : 53])

فلو طلق النبي خمساً من زوجاته سيصبحن كالمعلقات، لن يتزوجهن أحد !.

لهذا وبدلاً من تطليق خمسة منهن أمر الله نبيه بما فيه حل للمشكلة، في قوله تعالى :

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً. وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً [الأحزاب : 28-29]).

وهو التخيير. أن يخير النبي زوجاته بين البقاء معه، مع ما في حياته من مشقات وزهد وتقشف، أو أن يطلقهن ويعطينهن نفقة الطلاق والمتعة.

وكان قرار زوجات النبي جميعاً هو البقاء معه، فنزل قول الله سبحانه وتعالى :

(لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيباً [الأحزاب : 52]).

أي – كما قلنا – أنت مسموح لك بزوجاتك التسع من باب المعدود وليس مثل بقية المسلمين من باب العدد، فلا تستطيع أن تتزوج نساءً غير هؤلاء التسع، لو ماتت إحداهن، أو طلقت إحداهن، فلا يحل لك أن تتزوج بأخرى مكانها، إلا ملك اليمين. وسأتحدث بعد قليل عن ملك اليمين والرق في الإسلام.

بقي أن أقول أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعتبر خديجة زوجته الأولى هي أحب الزوجات إليه، حتى حينما كانت عائشة تذكرها وتغار منها، كان يعنفها ويصارحها بأنها خيرٌ منها.

تقول عائشة : ” ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة من كثرة ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها وثنائه عليها”. وتقول أيضاً : “ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذبح الشاة فيقول أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة”.

ويبدو أن الغيرة بلغت بها مبلغها ذات يوم من كلام الرسول عن خديجة – بعد وفاتها بسنين – فهاجمتها أمام الرسول، فجاءت ردة فعله مخيفة. تقول السيدة عائشة : “كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكر خديجة أثنى عليها فأحسن الثناء، فغرت يوما، فقلت ما أكثر ما تذكرها حمراء الشدق قد أبدلك الله عز وجل بها خيرا منها (تقصد نفسها). قال : “ما أبدلني الله عز وجل خيراً منها، قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله عز وجل ولدها إذ حرمني أولاد النساء”.

ويروي الإمام أحمد هذه الحادثة بطريقة أخرى : “قالت عائشة : ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما خديجة فأطنب في الثناء عليها، فأدركني ما يدرك النساء من الغيرة، فقلت لقد أعقبك الله يا رسول الله من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين (أي رزقك الله خير من تلك العجوز). فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم تغيراً لم أره تغير عند شيء قط إلا عند نزول الوحي أو عند المخيلة حتى يعلم رحمة أو عذاب”.

وتقول أيضاً : “استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرف استئذان خديجة فارتاح لذلك فقال اللهم هالة بنت خويلد”. أي أن الرسول سمع طريقة الطرق والاستئذان فعرف فيه أسلوب خديجة، فامتلأت نفسه بالفرحة وأخذ يدعو أن تكون هذه هالة أخت خديجة، رغبة منه في رؤية أي ذكرى من ذكريات خديجة.

وكما نعرف؛ فالرسول ظل مع خديجة خمسة وعشرين عاماً، ولم يُعرف عن هذه الأسرة سوى أنها أسرة مستقرة متحابة، ولم يتزوج عليها قط، وظل يذكرها بشوق ويتكلم عنها بالثناء حتى توفي، وظل يكرم صديقاتها وأقربائها ويختصهم بالطيبات حتى توفي.

ظل وفياً لها حتى آخر لحظة.

مما دفع البعض للقول بأن محمداً الإنسان لم يتزوج سوى خديجة ولم يحب سوى خديجة، أما محمداً الرسول فقد تزوج بتسع نساء، وفي هذا القول الفصل !.

حقوق المرأة :

قبل الإسلام كان وضع المرأة مزري في كافة الحضارات المحيطة بالعرب.

يقول أبو الحسن الندوي في كتاب “ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ؟”، عن وضع المرأة في حضارة الهند :

“وقد نزلت المرأة في هذا المجتمع منزلة الإماء. وكان الرجل قد يخسر امرأته في القمار، وكان في بعض الأحيان للمرأة عدة أزواج. فإذا مات زوجها صارت كالموءودة لا تتزوج، وتكون هدف الإهانات والتجريح، وكانت أمة بيت زوجها المتوفي وخادم الأحماء، وقد تحرق نفسها على إثر وفاة زوجها تفادياً من عذاب الحياة وشقاء الدنيا”.

وكانت المرأة في المجتمع العربي قبل الإسلام لا مكانة لها، فليس من حقها أن تتزوج بمن ترضاه ، ولا ترث، بل تورث إلى أهل زوجها تماماً كأمواله ومتاعه.

يقول أبو الحسن الندوي في كتاب “ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ؟” :

” وكانت المرأة في المجتمع الجاهلي عرضة غبن وحيف، وتؤكل حقوقها وتـُبتز أموالها وتحرم إرثها وتعضل بعد الطلاق أو وفاة الزوج من أن تنكح زوجاً ترضاه، وتورث كما يورث المتاع أو الدابة. عن ابن عباس قال : “كان الرجل إذا مات أبوه أو حميه فهو أحق بامرأته، إن شاء أمسكها أو يحبسها حتى تفتدى بصداقها أو تموت فيذهب بمالها”.

وقال عطاء بن أبي رباح : “إن إهل الجاهلية كانوا إذا هلك الرجل فترك امرأة حبسها أهله على الصبي يكون فيهم”. وقال السُدي : “إن الرجل في الجاهلية كان يموت أبوه أو أخوه أو ابنه، فإذا مات وترك امرأته فإن سبق وارث الميت فألقى عليها ثوبه فهو أحق بها أن ينكحها بمهر صاحبه أو يُنكحها فيأخذ مهرها، وإن سبقته فذهبت إلى أهلها فهي أحق بنفسها”.

وكانت المرأة في الجاهلية يطفف معها الكيل، فيتمتع الرجل بحقوقه ولا تتمتع بحقوقها، يؤخذ مما تؤتى من مهر وتمسك ضراراً للاعتداء، وتلاقي من بعلها نشوزاً أو إعراضاً وتترك في بعض الأحيان كالمعلقة، ومن المأكولات ما هو خالص للذكور ومحرم على الإناث، وكان يسيغ للرجل أن يتزوج ما يشاء من النساء من غير تحديد.

وقد بلغت كراهية البنات إلى حد الوأد. ذكر الهيثم بن عدي – على ما حكاه عنه الميداني – أن الوأد كان مستعملاً في قبائل العرب قاطبة، فكان يستعمله واحد ويتركه عشرة.

فجاء الإسلام، وكانت مذاهب العرب مختلفة في وأد الأولاد، فمنهم من كان يئد البنات لمزيد الغيرة ومخافة لحوق العار بهم من أجلهن، ومنهم من كان يئد من البنات من كانت زرقاء أو شيماء (سوداء) أو برشاء (برصاء) أو كسحاء (عرجاء) تشاؤماً منهم بهذه الصفات، ومنهم من كان يقتل أولاده خشية الإنفاق وخوف الفقر، وهم الفقراء من بعض قبائل العرب، فكان يشتريهم بعض سراة العرب وأشرافهم. قال صعصعة بن ناحية : جاء الإسلام وقد فديت ثلاثمائة موءودة!.

ومنهم من كان ينذر – إذا بلغ بنوه عشرة – نحر واحدٍ منهم كما فعل عبد المطلب، ومنهم من يقول: الملائكة بنات الله – سبحانه عما يقولون – فألحقوا البنات به تعالى، فهو عز وجل أحق بهن.

وكانوا يقتلون البنات ويئدونهن بقسوة نادرة في بعض الأحيان، فقد يتأخر وأد الموءودة لسفر الوالد وشغله، فلا يئدها إلا وقد كبرت وصارت تعقل، وقد حكوا في ذلك عن أنفسهم مبكيات، وقد كان بعضهم يلقي الأنثى من شاهق “.

أما عن أوروبا فحدث ولا حرج، فقد كانوا يرون أن المرأة ليست مخلوقاً بشرياً أصلاً !. وكان الأزواج يضعون حول النصف السفلي من زوجاتهم ما يسمى “حزام العفة” وهو عبارة عن رداء داخلي مصنوع من الحديد يغطي فرج المرأة ولا يـُفتح سوى بمفتاح، وتجبر العذارى والمتزوجات على ارتدائه لضمان عدم وقوعهن في الخطيئة في غياب الأب أو الزوج، ولا يملك مفتاحه سواهما.

فجاء الإسلام فغير كل هذا تغييراً جذرياً وأعاد إلى المرأة حقوقها كاملة، فجعلها أولاً مساوية للرجل بشكل كامل، وأعطاها حقها في الميراث وفي اختيار زوجها، ومنع الإساءة إليها أو ظلمها أو أكل مالها بغير حق إلخ.

وفي هذا نزلت عدة سور من القرآن الكريم أهمها سورة النساء وسورة الطلاق.

فأول آية من سورة النساء تقول :

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء : 1])

أي أنتما – أيها الرجل والمرأة – من أصلٍ واحدٍ، فأنتما واحد، والمرأة قطعة من الرجل، ومن لحم الرجل، فلا يظلم أحدكما الآخر لأن الله يراقبكما، فاتقوه.

وبنفس معنى المساواة يقول الله تعالى :

(وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة : 228])

ويقول تعالى :

(وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً [النساء : 19]).

والمعنى المراد بـ”وعاشروهن بالمعروف” في الآية السابقة ليس فقط عدم ظلم المرأة أو إساءة معاملتها، بل كذلك تحمل الأذى منها، وليس ذلك فقط، بل الصبر عليها وترقيق قلبها حتى يذهب عنها غضبها كما كان يفعل الرسول مع زوجاته، فقد كان صلى الله عليه وسلم يقول :

(خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي).

ويقول أيضاً :

(لا يفرك مؤمن مؤمنة إن سخط منها خلقا رضي منها آخر).

ويقول أيضاً :

(واستوصوا بالنساء خيرا فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله).

ويقول :

(لا تمنعوا إماء الله مساجد الله).

ويقول صلى الله عليه وسلم :

(إنما الدنيا متاع . وليس من متاع الدنيا شيء أفضل من المرأة الصالحة)

وفي رواية أخرى : (الدنيا متاع وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة)

ومعنى متاع حسب “مختار الصحاح” :

“المنفعة وما تمتعت به.

والاسم المُتْعَةُ”.

فخير متع ومنافع الدنيا : المرأة الصالحة.

ويقول ابن كثير في تفسيره عن “وعاشروهن بالمعروف” :

أي طيبوا أقوالكم لهن وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم كما تحب ذلك منها فافعل أنت بها مثله”.

وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنه يتطيب ويتزين إذا عاد لامرأته، فلما سألوه عن ذلك قال أنه يحب أن يتزين لها كما يحب أن تتزين هي له.

ويقول الله تعالى :

(وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً{20} وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً{21}[النساء : 20-21]).

بمعنى أنكم إذا أردتم تطليق زوجاتكم فلا تأخذوا شيئاً من أموال نفقة المتعة التي سيحصلن عليها، لأن المرأة في الجاهلية – كما قلنا – كانوا يأخذون أموالها ويبتزونها.

وفي آخر الآية يصف الله العلاقة بين الزوج والزوجة بالميثاق الغليظ، وهي كلمة شديدة ثقيلة مرعبة، لم يذكرها الله في القرآن سوى مرتين فقط : الأولى واصفاً الرسالات التي أنزلها على أنبيائه : (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً [الأحزاب : 7])

والثانية في وصفه للعلاقة بين الزوج وزوجته : (وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً [النساء :21]).

فمن الذي يجرؤ على ظلم زوجته بعد كل هذا ؟.

ويفصل القرآن في أحكام الزواج ومعاملة الزوجة والطلاق والعدة والرضاعة والنفقة إلخ، تفصيلاً يضمن حقوق المرأة كاملة، ولا يترك أي سبيل لانتقاص حقوقها إلا من باب مخالفة الزوج لهذه الآيات والأحكام وعدم عمله بها وعدم اتقائه الله في زوجته، وفي هذه الحالة فهناك تحذير مرعب من الله سبحانه وتعالى :

(تلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ{13} وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ{14}[النساء : 13-14]).

وعلى الجانب الآخر فليس معنى إعطاء المرأة كل هذه الحقوق أن تطغى أو تتجبر على زوجها، لذلك نجد أحاديث كثيرة تحض المرأة على طاعة زوجها :

(أيما امرأة ماتت وزوجها راضٍ عنها دخلت الجنة).

(لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها).

وكأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان في مجلسه مع الرجال يعظهم ويأمرهم بحسن معاملة النساء، وفي مجلسه مع النساء يعظهن ويأمرهن بحسن معاملة الرجال، وذلك من أجل التوازن في الأسرة.

ويقول صلى الله عليه وسلم للنساء :

(إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت عليه لعنتها الملائكة حتى تصبح).

وذلك لأن الرجل لا يصبر على غرائزه، التي تتحرك بمجرد النظر، ففي امتناع المرأة عن فراشه – تعنتاً وبلا سبب – ما يؤذيه. أما النساء اللاتي لديهن أعذار؛ كالتعب والإنهاك أو المرض أو حتى عدم الرغبة في ذلك الوقت فلا يدخلن تحت الخطاب الموجه في هذا الحديث، كما قال الشارحون والمفسرون من العلماء.

وفي نفس الوقت لا نجد على الجانب الآخر خطاباً للرجال بهذا الخصوص، لأن المرأة يمكنها الصبر على غرائزها، ورغباتها ليست بنفس قوة رغبات الرجل، ولا تتحرك سوى بالحب والمودة، وليس بمجرد النظر مثل الرجل، لذلك اكتفى الإسلام بتوجيه : “وعاشروهن بالمعروف”، الذي يشمل كذلك إعطاء المرأة حقها في الفراش، فإن لم يفعل الرجل – من باب التعنت وإذلال المرأة – فإنه يندرج تحت نص الآية الكريمة التي تقول :

(تلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ{13} وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ{14}[النساء : 13-14]).

يقول الدكتور أحمد شلبي في “موسوعة الحضارة الإسلامية” :

“ففي الآية الأولى التي أوردناها تكافؤ بين الزوج والزوجة : (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة : 228])، ثم هناك إلزام الزوج بأن ينفق على زوجته بقدر طاقته، وعليها كذلك ألا تكلفه ما لا يطيق، وأياً ما تكون مكانة الزوجة قبل الزواج، فإن مكانتها بعد الزواج ترتبط بمستوى زوجها : (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ [الطلاق : 6]).

ومع أن الحياة ينبغي أن تسير في ظل التعاون والحب، لا رئيس ولا مرءوس فإن الرجل بحكم التزاماته ومسئولياته له القوامة عندما تختلف الآراء”.

فللرجل درجة زائدة على المرأة وهي درجة القوامة عندما تختلف الآراء بين الزوجين، أي أنه الشخص الذي من حقه ترجيح أحد الرأيين. لماذا ؟. لأنه الذي ينفق على البيت، فإن لم يكن ينفق عليه سقط عنه حق القوامة.

ومن أجل حماية كيان الأسرة، عالج القرآن حالة النشوز، سواءً من الرجل أو من المرأة، أو من كليهما.

والنشوز في هذه الحالة كما يذكر لسان العرب :

“والنُّشُوز كراهية كل منهما صاحبه وسُوءُ عشرته له”

والمرأة الناشز كما يقول القاموس المحيط :

“و المرأةُ تَنْشُزُ وتَنْشِزُ نُشوزاً : اسْتَعْصَتْ على زَوْجِها وأبْغَضَتْهُ”.

و كما يقول لسان العرب :

“ونَشَزَت المرأَةُ بزوجها وعلى زوجها تَنْشِزُ وتَنْشُز نُشُوزاً وهي ناشِزٌ ارتفعت عليه واستعصت عليه وأَبغضته وخرجت عن طاعته وفَرَكَتْه”.

ونشوز الرجل كما يقول لسان العرب :

“ونَشَزَ هو عليها نُشُوزاً كذلك وضربها وجفاها وأَضَرّ بها”.

ففي حالة نشوز الزوجين، أي كراهيتهما لبعضهما وسوء عشرتهما لبعضهما، يقول الله تعالى لحل المشكلة :

(وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيرا [النساء : 35]).

فليأت اثنان يمثلان الزوج والزوجة، طرف من أهلها، وطرف من أهله، ويجلسان سوياً ويحاولان حل المشكلة بالصلح.

أما في حالة نشوز المرأة، فيقول الله تعالى :

(وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً [النساء : 34])

فإصلاح هذا النشوز يتم من خلال حديث الزوج معها بالحسنى ومحاولة إقناعها، فإن لم تقتنع فعلى الزوج ألا ينام بجوارها، على سبيل إشعارها بمدى ضيقه من سلوكها وبأن الأمر جدي، فإن لم ترجع عن نشوزها فمن حق الزوج أن يضربها ضرباً هيناً غير موجع – كذلك الذي نضربه للأطفال الصغار على أيديهم لنشعرهم أنهم فعلوا شيئاً خاطئاً – مجرد ضرب رمزي، الهدف منه جعلها تشعر أن الأمر جاد.

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم :

(واتقوا الله في النساء فإنهن عندكم عوان ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف)

قال الحسن البصري : “ضرباً غير مبرح يعني غير مؤثر”.

يقول ابن كثير في تفسيره :

“وقوله { إن الله كان عليا كبيرا } تهديد للرجال إذا بغوا على النساء من غير سبب فإن الله العلي الكبير وليهن وهو ينتقم ممن ظلمهن وبغى عليهن”.

وفي حالة نشوز الزوج، يقول الله تعالى :

(وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً [النساء : 128]).

مثل حالة نشوز الزوجين معاً : يأتي ممثلان عن الأسرة ليحاولا الإصلاح بينهما.

ونلاحظ أن الإسلام حريص على ألا تخرج المشكلة من داخل البيت إلى خارجه إلا إذا لم يكن هناك بد من ذلك. ففي حالة نشوز المرأة تظل المشكلة داخل البيت ويحاول الزوج إصلاحها من خلال الحديث والإقناع ثم من خلال إشعارها بمدى ضيقه وغضبه من سلوكها. أما في حالة نشوز الزوج أو نشوز الزوجين معاً، ففي هذه الحالة نجد أن البيت على وشك الإنهيار، لأن الزوج هنا طرف في النشوز، ومن الممكن أن يصل به النشوز – كراهية المرأة وبغضها – حد تطليق زوجته، لذلك في هذه الحالة تعلن حالة الطواريء ويتم السماح بأطراف خارجية بالتدخل في المشكلة لحلها، وذلك بعكس حالة نشوز المرأة، التي – في الغالب – لن يضر نشوزها سوى بعلاقتها بزوجها، ولن يهدد كيان الأسرة.

وحينما وصف الرسول صلى الله عليه وسلم النساء بأنهن : (ناقصات عقلٍ ودين).

لم يكن ذلك حطاً من شأن المرأة، فنقصان العقل والدين هنا من حيث الكم وليس الكيف. فليس معنى ناقصات عقل أن هناك قصور في عقولهن، وإنما المقصود به أن المرأة بطبيعتها عاطفية، تغلب عاطفتها ومشاعرها على التفكير العملي، تستمع لكلام قلبها أكثر من استماعها لحكمة عقلها. ومن أجل ذلك جاء التشريع الجنائي في الشهادة بجعل شهادة الرجل يقابلها شهادة امرأتان، حتى إذا غلبت إحداهما عاطفتها ومشاعرها أثناء روايتها لحدث معين؛ نبهتها الأخرى لتعود لرواية ما حدث فعلاً، لا وقعه على مشاعرها.

ومعنى نقصان الدين أنها لا تصلي ولا تصوم حينما تكون في فترة الطمث، فالنقصان هنا كمي كذلك وليس كيفي.

وحينما جعل الإسلام للذكر ضعف نصيب المرأة في الميراث جاء ذلك لحكمة، فالرجل مأمور بالنفقة على المرأة وإيجاد السكن لها، بينما المرأة هناك من ينفق عليها – بأمر الإسلام – في كافة مراحل حياتها : والدها ينفق عليها صغيرة، وزوجها ينفق عليها شابة، وأبناؤها ينفقون عليها عجوزاً، فلو تساوى الرجل والمرأة في الميراث لكان في ذلك ظلماً للرجل، لأنه سينفق نصيبه على المرأة بينما المرأة ستدخر نصيبها، فلذلك جاء العدل بأن يكون نصيب الرجل ضعف نصيب المرأة.

ومنذ ذلك الحين أصبح للمرأة شأناً في الإسلام، فأصبح يؤخذ برأيها، وتذهب إلى المسجد للصلاة، وتطلب العلم، وتعلم الرجال، وتخرج إلى المعارك فتقاتل، بل وتؤّمن الرجال !.

فعلى سبيل المثال، حينما دخل الرسول مكة فاتحاً، أمن جميع الناس ماعدا بضعة أشخاص كانوا من ألد أعداء الإسلام، أمر بقتلهم (في النهاية عفا عنهم جميعاً، ولم يُقتل منهم سوى واحد)، ففر اثنين منهما واختبآ في بيت أم هانيء بنت أبي طالب :

يقول ابن كثير في “البداية والنهاية” :

“و قال ابن إسحاق : أن أم هانيء ابنة أبي طالب قالت : لما نزل رسول الله صلى الله عليه و سلم بأعلى مكة فر إلي رجلان من أحمائي من بني مخزوم.

قال ابن هشام : هما الحارث بن هشام و زهير بن أبي أمية بن المغيرة.

قال ابن إسحاق : وكانت عند هبيرة بن أبي وهب المخزومي، قالت : فدخل علي أخي علي بن أبي طالب فقال : والله لأقتلنهما. فأغلقت عليهما باب بيتي، ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بأعلى مكة، فوجدته يغتسل من جفنة إن فيها لأثر العجين، وفاطمة ابنته تستره بثوبه، فلما اغتسل أخذ ثوبه فتوشح به، ثم صلى ثماني ركعات من الضحى، ثم انصرف إلي فقال : “مرحباً و أهلاً بأم هانىء، ما جاء بك ؟”. فأخبرته خبر الرجلين و خبر علي، فقال : “قد أجرنا من أجرت وأمنا من أمنت فلا نقتلهما.

هكذا بكل بساطة ! اثنان من الذين أهدر الرسول دمهما ولو كانوا متعلقين في أستار الكعبة، يلجآن إلى هذه المرأة المسلمة، ويأتي أخوها فيطلب منها أن تسلمهما له، فترفض بإباء، وتغلق البيت عليهما، وتذهب للرسول فتطلب منه تأمينهما، فلا يجيب الرسول طلبها فقط، بل يرفع مكانة المرأة – تلك التي كانت قبل سنين قليلة في الجاهلية يتم توريثها مع متاع البيت – فيخبرها أن من تؤمنينه يا فلانة نؤمنه، ومن تجيرينه نجيره !.

ويقول ابن هشام في سيرته :

“وقاتلت أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية يوم أحد.

فذكر سعيد بن أبي زيد الأنصاري : أن أم سعد بنت سعد بن الربيع كانت تقول : دخلت على أم عمارة فقلت لها : يا خالة أخبريني خبرك.

فقالت : خرجت أول النهار وأنا أنظر ما يصنع الناس، ومعي سقاء فيه ماء، فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في أصحابه والدولة والريح للمسلمين.

فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقمت أباشر القتال وأذب عنه بالسيف وأرمي عن القوس حتى خلصت الجراح إلي.

قالت : فرأيت على عاتقها جرحاً أجوف له غور، فقلت : من أصابك بهذا ؟.

قالت : ابن قمئة أقمأه الله، لما ولى الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل يقول : دلوني على محمد فلا نجوت إن نجا، فاعترضت له أنا ومصعب بن عمير وأناس ممن ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضربني هذه الضربة ولكن فلقد ضربته على ذلك ضربات ولكن عدو الله كان عليه درعان”.

فهذه المرأة المسلمة العظيمة خرجت مع المسلمين في معركة أحد، فلما وجدت المسلمين انهزموا، ولم يعد حول رسول الله كثيرون، وبعض الكفار يحاولون الوصول إليه لقتله، أمسكت سيفاً وأخذت تقاتل وسط الرجال دفاعاً عن الرسول، وهاجمت ذلك الكافر ودخلت معه في كرٍ وفر، فأصابها بجرح عميق في كتفها، وحينما تذكر الحادثة تقول بعزة وإباء أنها في المقابل ضربته كثيراً لكنه كان يرتدي درعاً فلم تصبه إصابات بالغة كما كانت ترجو !.

يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه ملخصاً كل شيء : ” والله إنا كنا في الجاهلية لا نعد للنساء أمراً، حتى أنزل الله فيهن ما أنزل وقسم لهن ما قسم”.

الرقيق وملك اليمين

أما بالنسبة للرق وملك اليمين، فقد كان سائداً في العالم قبل الإسلام بآلاف السنين، وكان جزءاً من الإقتصاد العالمي. وكانت مصادره عديدة. منها الديون، فقد كان الدائن يأخذ المدين كعبد إذا فشل في سداد دينه. ومنها الإختطاف وقطع الطريق، فقد كان هناك نخاسون متخصصون في الإغارة على المسافرين وأخذهم أسرى ثم بيعهم في أسواق العبيد. ومنها الحروب، فالأسرى كان يتم قتلهم أو أخذهم كعبيد.

يقول دكتور أحمد شلبي في “موسوعة الحضارة الإسلامية” متحدثاً عن الرق قبل الإسلام :

” الرق عرف فى جميع الحضارات القديمة، عرف فى الصين والهند ولدى اليونان والفرس والرومان، وكانت أسواق الرقيق منتشرة فى هذه البلدان، وعرف الرق عند اليهود وتحدث عنه العهد القديم، وعرف عند المسيحيين، وأمر بوليس العبيد بإطاعة سادتهم كما يطيعون السيد المسيح.

وعرف الرق فى أوربا وكان منتشراً بطريقة المقامرة، وكان الرومان يقامرون على نسائهم وأولادهم.

ولم يلغ الرق فى أوربا إلا فى القرن التاسع عشر”.

ويقول رداً على بعض المستشرقين الذين اتهموا العرب بالنخاسة :

“أما الإجابة عن السؤال الثانى وهو أن بعض المسلمين انشغلوا بتجارة الرقيق فنذكر أنه فى القرن السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر تحالف تجار الرقيق البيض مع بعض زعماء القبائل الأفريقيين اللا دينيين وأخذوا يهجمون على مساكن الأفارقة ويخطفون الأطفال ويضعونهم فى بواخر دون أية رعاية وهم مكبلون بالحديد، فإذا وصلوا إلى الولايات المتحدة بيعوا فى أسواق النخاسة وهم الذين يكونون فى العهد الحاضر جماعة الزنوج بأمريكا.

إن الصناعة المرتبطة بتجارة الرقيق صناعة غربية والسفن التى كانت تحمل الرقيق سفن غربية وأسواق النخاسة أسواق غربية، والمستشرقون بذلك يأتون بأمراضهم ويرمون بها المسلمين، وذلك يتفق مع المثل العربى الذى يقول : رمتني بدائها وانسلت.

وإذا فرض أنه كان هناك مسلم واحد اشترك فى مأساة الرق بأفريقية فإن ذلك كان بإيعاز تجار الغرب وبالإغراء لارتكاب هذا المنكر”.

ويقول عن تعامل الإسلام مع الرق :

” نجد أن مصادر الإسلام الرئيسية حسمت الموضوع ومنعت الرق، قال تعالى : (فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا [محمد : 4]).

فالقرآن بذلك يحدد مصير من شُد وثاقهم وهم أسرى الحرب، ويكون المصير بإطلاقهم منـّا عليهم (تفضلاً عليهم) أي بدون فداء، أو بإطلاقهم نظير فداء، وقد يكون الفداء بتبادل الأسرى أو يكون نظير مال، وقد جعل الرسول صلى الله عليه وسلم تعليم بعض المسلمين القراءة والكتابة فداءً لإطلاق من يجيدون ذلك من أسرى غزوة بدر.

وعلى هذا لا يبقى أسرى فى يد المسلمين، وبالتالى لا يكون هناك رق، لأن وسيلة الرق فى الإسلام وحيدة هى أسرى الحروب. وكانت وسائل الرق قبل الإسلام كثيرة فالرجل كان يبيع نفسه ويبيع أولاده، ويقترض بضمان نفسه أو أولاده، فإذا لم يوف القرض فُرض الرق عليه وعلى أولاده، ولكن الإسلام حصر الرق في أسرى الحرب بشرط أن يكون المسلمون معتدى عليهم، وألا يكون الأسير مسلماً، وأن يفرض الإمام عليه الرق. وبهذا ضيق الإسلام مداخل الرق.

وقد وضح الرسول صلى الله عليه وسلم جريمة الرق بقوله : “شر الناس من باع الناس”.

ويقرر ابن القيم أن الرسول لم يسترق رجلاً حراً قط، وكان استرقاق الرجال مقصوراً على الأرقاء الذين ُيؤسرون، ويريدون البقاء تحت ظل الإسلام ولا يريدون العودة لسادتهم.

وتنفيذا لاتجاه الإسلام للقضاء على الرق، كان الرسول يبذل أقصى الجهد لإطلاق الأسرى، كما حدث فى غزوة بني المصطلق إذ تزوج الرسول ابنة حاكم بني المصطلق، فقال المسلمون : كيف نسترق أصهار رسول الله ؟ وأطلقوا الأسرى، وكذلك أطلق الرسول الأسرى فى غزوة حنين والطائف.

وكما ضيق الإسلام مدخل الرق، وسع المخرج منه بأن فتح أبواباً كثيرة للعبيد ليتحرروا، ومن هذه الأبواب الكفارة والمكاتبة والتدبير”.

ويقول الشيخ الشعراوي في تفسيره عن ملك اليمين :

“ومعلوم أن ملك اليمين كان موجوداً قبل الإسلام، وظل موجوداً، حتى دعا القانون الدولي العام إلى منع ظاهرة العبودية. ودعا إلى تحرير العبيد، فسرح الناس ما عندهم من العبيد، وكان منهم من يشتري العبيد من أصحابهم ثم يطلق سراحهم.

ومن هؤلاء العبيد من كان يعود إلى صاحبه وسيده مرة أخرى يريد العيش في كنفه وفي عبوديته مرة أخرى، لأنه ارتاح في ظل هذه العبودية وعاش في حمايتها، وكان بعضهم يفخر بعبوديته ولا يسترها فيقول : أنا عتيق فلان.

والمنصف يجد أن ملك اليمين في الإسلام ليست سبة فيه، وإنما مفخرة للإسلام، لأن ملك اليمين وسيلته في الإسلام واحدة، هي الحرب المشروعة، فالإسلام ما جاء لينشيء رقاً، إنما جاء لينشيء عتقاً.

الإسلام جاء والرق موجود، وكان العبيد يباعون مع الأرض التي يعملون بها، ولا سبيل للحرية غير إرادة السيد في عتق عبده، في حين كانت منابع الرق كثيرة ومتعددة، فكان المدين الذي لا يقدر على سداد دينه يبيع نفسه أو ولده لسداد هذا الدين، وكان اللصوص وقطاع الطرق يسرقون الأحرار، ويبيعونهم في سوق العبيد.. إلخ.

فلما جاء الإسلام حرم كل هذه الوسائل ومنعها، ولم يبق إلا منبعاً واحداً هو السبي في حرب مشروعة، وحتى في الحرب ليس من الضروري أن ينتج عنها رق، لأن هناك تبادل أسرى، ومعاملة بالمثل، وهذا التبادل يتم على أقدار الناس، فالقائد أو الفيلسوف أو العالم الكبير لا يفتدى بواحد من العامة، إنما بعدد يناسب قدره ومكانته. واقرأ في ذلك قوله تعالى : (فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا [محمد : 4]).

لأن الحرب ما شُرعت في الإسلام ليُرغم الناس على الدين، لكن ليحمي اختيارهم للدين، بدليل أن البلاد التي دخلها الفتح الإسلامي بقي فيها كثير من الناس على كفرهم، ثم ألزمهم دفع الجزية مقابل الزكاة التي يدفعها المسلم، ومقابل الخدمات التي تؤديها إليه الدولة.

ثم تأمل كيف يعامل الإسلام الأسرى، وعلى المجتمع الظالم الذي ينتقد الإسلام في هذه الجزئية أن يعلم أن الذي أسرته في المعركة قد قدرت عليه، وتمكنت منه، وإن شئت قتلته، فحين يتدخل الشرع هنا ويجعل الأسير ملكاً لك، فإنما يقصد من ذلك حقن دمه أولاً، ثم الإنتفاع به ثانية، إما بالمال حين يدفع أهله فديته، وإما بأن يخدمك بنفسه.

إذن : المقارنة هنا ليست بين رق وحرية كما يظن البعض، وإنما هي بين رق وقتل.

إذن : مشروعية الرق في أسرى الحرب إنما جاءت لتحقن دم المأسور، وتعطي الفرصة للإنتفاع به، فإذا لم يتم الفداء ولا تبادل أسرى وظل أسيرك بيد، فاعلم أن له أحكاماً لا يصح تجاوزها، فهو شريكك في الإنسانية المخلوقة لله تعالى، وما أباح الله لك أن تأسره، وأن تملكه إلا لكي تحقن دمه، لا أن تذله.

واقرأ قول النبي صلى الله عليه وسلم : “إخوانكم خولكم (أي خدمكم وعبيدكم)، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه عنده فليطعمه مما يطعم، وليلبسه مما يلبس، ولا يكلفه ما لا يطيق، فإن كلفه فليعنه”.

فأي إكرام للأسير بعد هذا، بعد أن حقن دمه أولاً، ثم كرمه بأن جعله أخاً لك، واحترم آدميته بالمعاملة الطيبة، ثم فتح له عدة منافذ تؤدي إلى عتقه وحريته، فإن كان للرق في الإسلام باب واحد، فللحرية عدة أبواب، منها العتق في الكفارات وهي في تكفير الذنوب التي بين العبد وربه.

فإذا لم تكن هناك ذنوب فقد رغبنا الشرع في عتق الرقاب لاجتياز العقبة كما في قوله تعالى : (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ{11} وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ{12} فَكُّ رَقَبَةٍ{13}[البلد : 11 – 13])

هذا إن كان الأسير رجلاً، فإن كان امرأة، ففيها نفس التفصيل السابق، وتعامل نفس المعاملة الطيبة، يزيد على ذلك أن للأمة – وهي في بيت سيدها – وضعاً خاصاً، فهي ترى سيدتها تتمتع بزوجها، وترى البنت تتزوج، فيأخذها زوجها إلى بيت الزوجية، إلى آخر مثل هذه الأمور، وهي تقف موقف المتفرج، وربما أخذتها الغيرة من مثل هذه المسائل، فيكرمها الله حين يحلها لسيدها، فيكون لها ما لسيدتها الحرة، فإذا ما أنجبت لسيدها ولداً صارت حرة به، وهذا منفذ آخر من منافذ القضاء على الرق”.

مما سبق نخرج بالتالي بخصوص موضوع الرق وملك اليمين :

1 – الإسلام سد جميع مصادر الرق التي كانت موجودة قبله، والتي ظلت موجودة بعده في أوروبا وأمريكا إلى القرن الثامن عشر والتاسع عشر، ماعدا منفذ أسرى الحرب. لماذا ؟. ليحقن الدماء، فالبشرية لا تخلو من حروب في زمن من الأزمان، ومعرفة المقاتل أنه لو أخذ عدوه أسيراً – بدلاً من قتله – يبادله بأسير، أو يحصل على مال الفداء مقابل إطلاق سراحه، أو لو لم يفده أحد يأخذه خادماً له، لو عرف المقاتل ذلك فسيحرص قدر الإمكان على ألا يُعمل القتل في أعدائه.

2 – الإسلام جعل الكثير من الحقوق للعبد في بيت سيده، فيجب عليه أن يطعمه مما يأكله، ويكسوه مما يلبسه، ولا يكلفه بما لا يطيق، فإن كلفه بأعمال شاقة فعليه إعانته ومساعدته. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : (اتقوا الله في خولكم (عبيدكم)، فإنهم أشقاؤكم، لم ينحتوا من جبل، ولم ينشروا من خشب،. أطعموهم مما تأكلون، واكسوهم مما تلبسون، واستعينوا بهم في أعمالكم، فإن عجزوا فأعينوهم، فإن كرهتموهم فبيعوهم، ولا تعذبوا خلق الله”. ويقول صلى الله عليه وسلم : (إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه فإن لم يجلسه معه فليطعمه أكلة أو أكلتين فإنه ولى علاجه”. ويقول صلى الله عليه وسلم أيضاً : (لا يقل أحدكم عبدي، أمتي، وليقل : فتاي وفتاتي”.

وأثناء احتضار الرسول كان يتمتم لمن حوله : (الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم). أي حافظوا على الصلاة واعتنوا بمن تحت يدكم من العبيد. وكان صلى الله عليه وسلم يعتق الجارية فداءً لها من لطمة تصيبها!.

وبهذا فإن الإسلام يجبر السيد على أن يطعم العبد من طعام أهل البيت، لا أن يعطيه طعاماً متواضعاً بينما أهل البيت يأكلون الفاخر من الطعام، وينفق عليه، ويكسوه من ثيابه، لا أن يلبسه ثياباً مهترئة أو قديمة، ولا يشق عليه في العمل، فإن فعل فإن عليه مساعدته وإعانته على عمله الشاق.

وبهذا يخرج العبيد في الإسلام من المفهوم التقليدي للعبيد، كما تعرفه أوروبا وأمريكا، من جعل العبد يعمل كالآلة ليل نهار بلا شفقة ولا رحمة، وضربه وتعذيبه إذا عصى الأوامر أو قصر، بل يدخل العبيد بالمعنى الذي وضعه الإسلام في باب الأجراء والعاملون العاديون، مع فرق أن الأجير يعطي لرب عمله وقت محدد من اليوم – ثماني ساعات مثلاً – مقابل أجر معين، أما العبد في الإسلام فإنه يعطي وقته كله لسيده، مقابل طعامه وكسوته ومسكنه والإنفاق عليه إلخ. وهو شيء لا يحصل عليه الكثير من العاملين المساكين اليوم !.

ولو سننظر للأمر من وجهة النظر هذه فسنجد أن الرق مازال موجوداً حتى وقتنا الحاضر، أليس العمال الذين يجبرهم أرباب عملهم على العمل فوق عشر ساعات في اليوم ولا يعطونهم أجراً مناسباً، أليس هؤلاء عبيداً ؟.

3 – فتح الإسلام أبواباً عديدة لإعتاق الرقاب، من ذلك جعل إعتاق الرقاب كفارة لكثير من الذنوب، مثل الظهار: (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [المجادلة : 3]).

واليمين الكذب : (لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَـكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [المائدة : 89]) وغيرها من كفارات الذنوب.

ومنها أنه جعل جزءاً من أموال الزكاة – ميزانية الدولة – مخصصة لإعتاق الرقاب، يقول تعالى : (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة : 60]). فمن أراد من العبيد أن يكاتب سيده – أي يدفع له مالاً ليعتقه – فإنه يأخذ من أموال الزكاة ويحرر نفسه.

ثم بعد ذلك كله جعل تحرير الرقاب من أعظم الأعمال التي يتقرب بها المسلم إلى الله سبحانه وتعالى : (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ{11} وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ{12} فَكُّ رَقَبَةٍ{13}[البلد : 11 – 13])، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (أيما رجل كانت عنده وليدة فعلمها فأحسن تعليمها وأدبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها فتزوجها فله أجران)، ويقول أيضاً : (أيما رجل أعتق امرأ مسلماً استنقذ الله بكل عضو منه عضواً من النار).

4 – الرجال والنساء الأرقاء تنطبق عليهم نفس الأحكام، إلا أن المرأة الأمة (ملك اليمين) يكون من حقها – إذا رضت وقبلت– أن يعاشرها سيدها معاشرة الأزواج، وفي حالة حملها من سيدها وإنجابها فإنها تكون بذلك قد أعتقت وتصبح في حكم زوجته. وهذا بالإضافة إلى كونه باباً آخر من أبواب العتق، فإنه لا يمكن أن يتم بغير رضا المرأة الأمة التي ليس لها زوج وونيس. ولا ننس أنه في هذه الحالة تصبح هذه المرأة من حق هذا الرجل، ولا يجوز لأي ذكر آخر من ذكور البيت لمسها، فهي بذلك تكون بحكم زوجته، غير أنها ليس لها حقوق الزوجة، كالميراث والظهور معه في المناسبات الإجتماعية وغير ذلك. وهذا المفهوم يذكرنا تماماً بمفهوم الزواج العرفي في أيامنا هذه، الذي يتم من خلال إمضاء الطرفين ورقة، ولا يترتب عليه أي حقوق للمرأة ما لم يتم توثيقه.

وفي حالة عدم رضا الزوجة الشرعية عن أن يعاشر زوجها الإماء فإنها ببساطة بإمكانها ألا تقبل بوجود الإماء في البيت أصلاً !.

5 – كل هذه الأحكام أصبحت أحكاماً تاريخية، وانتهت بنهاية الرق عالمياً.

والخلاصة أن الإسلام منع جميع مصادر الرق، لكنه وجد في إتاحتها في الحرب عامل من عوامل حقن الدماء، ثم في المقابل – بعد حقن الدم – جعل لمحقون الدم هذا أبواباً عديدة يعتق بها، وفي نفس الوقت – ما بين الرق من أجل حقن الدم والعتق – وضع ضوابطاً وأحكاماً في معاملة هذا الرقيق تجعل منه أقرب للأجير منه للرقيق المستعبد كما نعرفه في أوروبا وأمريكا.

وإذا عرفنا أن كل هذا – ما يتعلق بالمرأة وما يتعلق بالرق – حدث في القرن السابع الميلادي، سنفهم أي ثورة أحدثها الإسلام في البشرية. وكون المسلمين الآن لا يلتزمون بأحكام دينهم – بخصوص المرأة – وكونهم تمسكوا بعادات وتقاليد ظلمت المرأة وانتزعت منها الكثير من الحقوق التي أعطاها لها الإسلام، وكون كثيرين منهم بهذا عادوا لأيام الجاهلية، فهذا لا ينفي عظمة التشريع الإجتماعي الذي جاء به الإسلام.

ثالث عشر : أنت تتكلم عن بعض الآيات التي تتناقض مع العقل والمنطق والعلم والمصلحة في القرآن :

– منها قوله تعالى : (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة : 3] ).

وقد رددت على جزئية الإيمان بالغيب تفصيلاً في الفقرة الثالثة من ردي هذا، لهذا أحيلك إليها.

– ومنها قوله تعالى : (قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً [الكهف : 94] ).

وقد رددت على جزئية يأجوج ومأجوج في الفقرة التاسعة من ردي هذا، لهذا أحيلك إليها.

– ومنها قوله تعالى : (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ [ ق : 38] ).

فأنت تقول أن العلم أثبت أن الأرض تكونت في بلايين السنين، وليس في ستة أيام.

والحقيقة أن العلم لم يذكر شيئاً عن بلايين السنين تلك، ربما تقصد عمر الكون الذي قدره العلماء بخمسة عشر بليون سنة، أما خلق وتكون السماوات والأرض فلم يأخذ أكثر من بضعة آلاف من السنين.

ولو أنك قرأت القرآن جيداً لوجدت قول الله تعالى : (وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ [الحج : 47] )

وقوله تعالى : (يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ [السجدة:5] ).

وقوله تعالى : (تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [المعارج : 4]).

فالقرآن يتحدث عن نسبية الزمن – قبل مجيء آينشتاين بـ 1400 سنة – ويحدد أن هناك سنوات كونية قد تكون مثل ألف سنة من سنواتنا التي تتكون من 365 يوماً، وقد تكون كخمسين ألف سنة منها. لذلك فحينما يحدد الله أن الكون تم خلقه في ستة أيام فهو يعني ستة أيام كونية، وليست ستة أيام من أيامنا العادية.

– ومن الآيات التي تعتقد أنت أن فيها تناقضاً قوله تعالى : (هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ [آل عمران :7]).

وقد رددت على جزئية المحكم والمتشابه في الفقرة الرابعة من ردي هذا، فأحيلك إليها. لكني سأعلق على كلامك حول عدم منطقية نزول قرآن لا يعلم تأويله إلا الله، بينما الهدف منه هداية الناس إلخ. فالحقيقة أن قول الله سبحانه وتعالى : (وما يعلم تأويله إلا الله) المقصود به أن هناك آيات ومعجزات في القرآن لن يتضح معناها للناس الآن، ومن ذلك آيات الإعجاز العلمي في القرآن، والتي لم يتضح معناها الدقيق للمسلمين سوى في العصر الحديث، فمن كان يعلم معنى “الجوار الكنس” أو “السماوات السبع” أو “الأرضين السبع” أو لماذا وصف الله القمر بالنور بينما وصف الشمس بالسراج ؟، أو معنى “البحر المسجور”، أو معنى وصف الجبال “بالأوتاد” أو لماذا وصف الله حاكم مصر زمن يوسف عليه السلام بالملك ثم عاد ووصفه في زمن موسى عليه السلام بفرعون إلخ ؟. كل هذه أمور اتضحت فيما بعد، ومازالت هناك أشياء عديدة ستتضح مع الوقت، حسب طبيعة كل عصر وكل زمان، ليزداد الذين آمنوا إيماناً.

وبالنسبة لقولك أن قوله تعالى : (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ) هو إرهاب لمن يعترض أو يفكر أو يناقش، فدعني أعطيك مثالاً طريفاً : منذ 1400 سنة نزل القرآن محرماً على المسلمين أكل لحم الخنزير، ولم يذكر الله سبباً لذلك، ولم يذكر النبي سبباً لذلك. وأغلب العلماء حتى وقت قريب كانوا يعتقدون أن ذلك بسبب قذارة الخنزير وتقوته على الأوساخ، لكن العلم الحديث كشف مساويء صحية لأكل لحم الخنزير. ففي دائرة معارف القرن العشرين تأليف محمد فريد وجدي، المجلد الثالث، وتحت مادة “خرز” نجد الآتي :

“يصاب الخنزير في كثير من الأحيان بديدان تمر منه إلى من يأكل لحمه وتتربى في جسده. أصول هذه الدودة توجد في بعض عضلات الخنزير بكثرة حتى عد منها 150 في قطعة لحم لا تبلغ أكثر من 50 جراماً. وتعرف إصابته بهذا الداء من بثور تخرج في لسانه. وفي الخنزير ديدان أخرى تتربى في لحمه يقال لها (تريشين) وعادتها أن تكون محاطة بكيس ينتهي بأن يتحجر فتموت الدودة فيه، ولكن بعد أن تكون قد ولدت ألوفاً مؤلفة ينتهي أمرهم على مثل ما انتهى إليه أمر والدتهم، فإن أكل الإنسان لحم الخنزير نزلت هذه الغلف المحتوية على الديدان لمعدته وذابت من فعل العصارة المعدية، فتخرج الديدان فتتكاثر في جسمه وتسكن في لحمه “.

فأولو الألباب هم أولئك الذين يدركون أنه هناك حقائق وأمور قد يعجز أهل عصر معين عن استيعابها، لذلك يتم الإشارة إليها دون تفصيلها وشرحها، ويترك أمر استيعابها إلى العصور اللاحقة.

ثم إنك تقول أن قوله تعالى : (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً [النساء : 82] ) غير صحيح، لأن القرآن به اختلاف كثير.

وأنت لا تذكر – كالعادة – أين هو هذا الاختلاف، لكنك استدللت عليه بظهور تفاسير مختلفة و ظهور المذاهب الأربعة وفرق كثيرة مثل المعتزلة والأباضية والزيدية والشيعة وغيرها.

وكالعادة أنت لا تعرف عن ماذا تتحدث !.

التفاسير المختلفة ليست موجودة بسبب الاختلاف الذي في القرآن ولكن بسبب اختلاف وجهات النظر بين المفسرين تجاه رؤيتهم لآيات القرآن الكريم. فمثلاً في قوله تعالى، على لسان أم مريم بنت عمران، حينما نذرت ما في بطنها لله، ثم فوجئت بأن المولود أنثى، فقالت : (فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [آل عمران : 36]).

سيقول أحد المفسرين أن قوله تعالى (وليس الذكر كالأنثى) معناه أن أم مريم كانت تناجي الله وتدعو قائلةً بأن الذكر ليس كالأنثى، فالذكر يمكنه خدمة الله والقيام بأمور لا تستطيع الأنثى القيام بها في ذلك الوقت.

لكن مفسراً آخر قال أن هذا القول ليس من كلام أم مريم، بل هو من كلام الله في الجملة الاعتراضية التي بدأت بقوله تعالى : (والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى). أي أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يقول هذا، وليست أم مريم، وأن الله سبحانه وتعالى يعني أن الأنثى مريم ليست كالذكر الذي كانت أمها تتمناه، بل هي خيرٌ وأفضل منه، لأنها ستلد المسيح عليه السلام وستكون – حسب قول الرسول – من أكمل وأعظم النساء اللاتي ظهرن على وجه الأرض !.

هذا مثال على اختلاف التفاسير، فكل مفسر له وجهة نظر واجتهاد ومصادر علمية من الأحاديث وأقوال العلماء في تفسير الآيات تختلف عن غيره.

أما المذاهب الأربعة، الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي، فهي عبارة عن اتجاهات أو مدارس فقهية، وليست طوائف أو فرق قائمة بذاتها. والمدرسة الفقهية تعني منهجاً معيناً في تقنين أحكام الشريعة من خلال استنباط الأحكام الفقهية والتشريعات من القرآن الكريم والسنة النبوية. فمثلاً المذهبان المالكي والحنبلي منهجهما استنباط الأحكام قائم على أخذ الحكم من النص القرآني أو الحديث النبوي حرفياً وبحذافيره دون تأويله بغير ظاهره، بينما منهج المذهب الحنفي هو إعمال العقل في النص القرآني والحديث النبوي لمعرفة الظروف الخاصة بهما وعلى أساس ذلك يتم استنباط الحكم. أما المذهب الشافعي فهو يعتمد على هذا وعلى ذاك، فتارة يأخذ بالنص الظاهر، وتارة يعمل العقل فيه. وأصحاب هذه المدارس الفقهية هم متفقون تماماً في الأصول الأساسية للدين : أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأركان الدين من صلاة وصيام وزكاة وحج وإيمان بالملائكة والرسول والكتب السماوية واليوم الآخر والقدر. وإنما خلافهم في الفروع، مثل ما ذكرته من قبل بخصوص نواقض الوضوء :

وكمثال على ذلك قوله تعالى الذي يذكر فيه الأمور التي يبطل بها الوضوء : ( .. وإن كنتم مرضى أو على سفرٍ أو جاء أحدٌ منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيداً طيباً .. [النساء : 43] )

فبعض المدارس الفقهية رأت أن قوله تعالى “أو لامستم النساء” يعني حرفياً لمس النساء بالمصافحة أو غيره، أما المدارس الفقهية الأخرى فقد رأت أن الآية تعني اللقاء الجنسي بين الزوج وزوجته وليس مجرد اللمس والمصافحة. ففي هذا الخلاف رحمة وتيسير على الناس، كلٌ على حسب فهمه وتقديره للأمور، بدلاً من الزام الجميع بحكم واحد، فالفريق الأول اختار أن يأخذ حيطته فيشق على نفسه ويجعل مجرد مصافحة المرأة سبباً لإعادة الوضوء، أما الفريق الثاني فقد خفف على نفسه لأنه حصر الأمر في اللقاء الجنسي.

يقول السيد سابق في كتابه “خصائص الشريعة الإسلامية” :

“وقد اتفق هؤلاء الأئمة على استنباط الأحكام من الكتاب والسنة والقياس والإجماع، ولم يختلفوا على المباديء الأساسية، وإنما اختلفوا في بعض المسائل الفرعية، واختلافهم هذا يشبه اختلاف المحاكم اليوم في تفسير بعض النصوص أو القواعد عند تطبيقها على الدعاوي المعروضة عليها.

ولاختلافهم هذا أسباب كثيرة :

منها أن يكون في الحكم أمر، فيحمل بعض العلماء الأمر على الوجوب، وبعضهم يحمله على الندب. ومنها أن يكون اللفظ محتملاً أكثر من معنى، فيرجح بعض الفقهاء معنى من معانيه، ويرجح بعضهم المعنى الآخر. مثل لفظ القرء في قوله تعالى : (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ [البقرة : 228] ). فحمل بعض الفقهاء القر على الحيض وحمله بعض آخر على الطهر “.

فالناس ليسوا قالباً واحداً في حياتهم وشخصياتهم وظروفهم واحتياجاتهم، لذلك كانت رحمة الله بهم أن أباح لهم الاختلاف في الفروع التي لا تؤثر على الأصول المتفق عليها.

ولو كان الإسلام أغلق باب الإجتهاد وأمر جميع الناس باتباع أمور واحدة محددة، لخرج علينا من يقول : الإسلام لم يراع اختلاف ظروف الناس وتغير الزمان والمكان !.

وأما بالنسبة للفرق مثل الشيعة والمعتزلة والخوارج وغيرهم، فالخلاف الأساسي بين هذه الفرق هو خلاف سياسي وليس عقائدي، بعكس الأديان الأخرى، مثل المسيحية التي كان الخلاف بين فرقها منذ البداية حول أمور أساسية مثل طبيعة السيد المسيح، هل هو إله، أم بشر، أم إله وبشر في نفس الوقت، أم بشر اتحد به إله إلخ.

فبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم حدث خلاف حول من الذي يجب أن يحكم المسلمين، فذهب البعض إلى أن اختيار الخليفة يكون برضى من جميع المسلمين، بينما تعاطف البعض مع أهل بيت رسول الله وأصروا على أن يكون الحكم فيهم إلى الأبد، وهكذا ظهرت الشيعة بفرقها المختلفة. ومع الوقت ظهر الخوارج الذين كانوا يرون أن الحاكم يجب أن يكون شخصاً يتفق عليه المسلمون، لكنهم غالوا بأن كفروا من يخالفهم في الرأي.

ومع ظهور الدولة العباسية، والترف الفكري والمادي الذي صاحبها، ونمو الدولة الإسلامية وازدهارها ودخول أمم ودول أجنبية فيها، وانتعاش حركة الترجمة، ودخول الفلسفات الشرقية واليونانية إلى الفكر الإسلامي، ظهرت فرق جديدة قائمة على خلاف فلسفي، مثل فرقة المعتزلة التي كانت مصرة على أن القرآن مخلوق، وحدث الخلاف الكبير بينهم وبين السنّة، الذين رأوا أن القول بأن القرآن – الذي هو كلام الله – مخلوق سيستدعي بالتالي أن صاحب هذا الكلام – الله – سيصبح مخلوقاً.

ورغم ذلك فكل هذه الفرق متفقة على أغلب الأصول : فجميعها تقول أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن أركان الدين هي الصلاة والصوم والزكاة والحج، والإيمان قائم على الإيمان بالله والملائكة والكتب السماوية والرسل والأنبياء ويوم القيامة والقدر.

يقول اللواء حسن صادق في كتابه “الفرق الإسلامية” :

“بدأت خلافات المسلمين بعد وفاة النبي في السياسة وليس في الدين، وتركزت الخلافات وما أدت إليه من صراعات في موضوع الخلافة وأصول الحكم وفلسفته بالذات. لم يختلفوا على أن “لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله” ولا على الإيمان بالغيب والملائكة والجزاء، ومن سبق من الأنبياء والرسل وما نزل عليهم من الصحائف والكتب والألواح، كما أنهم لم يختلفوا على الصلاة والصوم والحج إلى بيت الله الحرام. وحتى الخلاف الذي حدث حول الزكاة على عهد أبي بكر والذي أدى إلى الحروب التي سميت بحروب الردة، حتى هذا الخلاف كان سياسياً لا دينياً “.

كما ترى يا سيدي الفاضل، الأمر بعيد تماماً عن وجود اختلاف في القرآن أدى إلى وجود تفاسير مختلفة ومذاهب فقهية مختلفة وفرق مختلفة.

– ثم توجه انتقاداً لسورة الأنعام وتقول أنها مفككة مختلة السياق لا يوجد ما يربط بين مواضيعها إلخ.

وقد قمت بتوضيح المحور العام الذي تدور حوله سورة الأنعام ومدى ترابط آياتها إلخ، وذلك في الفقرة السابعة من ردي هذا، لذلك أحيلك إليه.

لكني سأعلق فقط على ادعائك بشأن قوله تعالى : (قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ قُلْ إِنِّيَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ [الأنعام : 14]) قائلاً بأن السياق خاطيء لأنه يبدأ الكلام بصيغة الإله (قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ قُلْ إِنِّيَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ) ثم ينتهي الكلام بصيغة الرسول (وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ).

من الواضح جداً أنك جاهلٌ باللغة العربية، ويتضح هذا في تعاملك مع القرآن من بداية كلامك لنهايته. تماماً مثل الفلاح الذي يمسك كتاباً في الكيمياء النووية ويقول : ما هذا الكلام الغريب التافه ؟.

في هذه الآية الكريمة الأمر ببساطة كالتالي : (قل) لهم (أغير الله أتخذ وليا) أعبده (فاطر السماوات والأرض) مبدعهما (وهو يُطْعِم) يرزِق (ولا يُطْعَم) لايُرزَق (قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم) لله من هذه الأمة (و) قيل لي (لا تكونن من المشركين) به.

– ثم تذكر المصابيح في قوله تعالى : (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ [الملك : 5]) وتقرر أن النجوم ليست في السماء الدنيا وإنما تبعد عنا ملايين السنين الضوئية.

بادئاً ذي بدء الآية الكريمة لم تذكر النجوم وإنما ذكرت المصابيح. هذه المصابيح هي الشهب. لأن الله سبحانه وتعالى يذكر في مواضع أخرى رجم الشياطين مسترقة السمع بالشهب فيقول : (إِلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ [الصافات : 10])، ويقول على لسان الجن : (وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً [الجن : 9]).

أما بالنسبة للتساؤل عن أنه إذا كانت الشياطين تُرجم في السماء فكيف تصل إلى الأرض وتجري من الإنسان مجرى الدم، فالجواب أن الشياطين تسكن في الأرض أصلاً، وبعضهم فقط هو من يصعد إلى السماء ويحاول استراق السمع إلى ما يقوله الملأ الأعلى.

– ثم تذكر قوله تعالى : (وخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا [النساء : 1]) فتقول أن خلق حواء من ضلع آدم هو أسطورة، لا يوجد دليل علمي عليها، وأن هذا يكرس لدونية المرأة وأنها في المرتبة الثانية بعد آدم.

وأنا أسألك بدوري : هل يوجد دليل علمي ضد هذا الكلام ؟. نحن المسلمون نقول أن الله خلق آدم من تراب ونفخ فيه من روحه ثم خلق حواء من ضلعه، ونستشهد على هذا الكلام بما ورد عنه في القرآن الكريم في آيات عديدة، ونثبت أن القرآن صادق في كل كلمة وحرف ذكرها من خلال أدلة عديدة، ذكرت لك بعضها في الفقرة الثانية من ردي هذا، لذلك أحيلك إليها. وحسب المنطق : الله خلق آدم ثم خلق حواء من ضلعه —> القرآن يقول هذا ——> القرآن كلام الله (والأدلة على ذلك في الفقرة الثانية كما قلنا). فإذا كان القرآن كتاباً معجزاً بالفعل فهو بالتالي كلام الله وما جاء فيه من أخبار صحيح ——-> قصة خلق آدم ثم خلق حواء من ضلعه هي صحيحة بدورها.

هذا هو دليلي باختصار، أما سيادتك فأين دليلك ؟ هل في العلم ما يتنافى مع ما قلته ؟. لا تقل لي من فضلك أنه لا يوجد دليل علمي، لأن عدم وجود الدليل العلمي لا ينفي الشيء، بل ما ينفيه هو وجود دليل يتعارض معه، فأين هذا الدليل ؟.

النقطة الثانية التي تطرحها هو دونية المرأة بسبب خلقها بعد آدم !.

والله سبحانه تعالى يقول : (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إليها [الأعراف : 189]) فالقرآن يؤكد على أن الذكر والأنثى مخلوقان من نفسٍ واحدة، أنهما كانا كياناً واحداً ثم انفصلا. ولماذا انفصلا ؟. ليكونا سكناً لبعضهما. هناك معنى رومانسي في هذه الصورة : المرأة قطعة من الرجل، المرأة من لحم الرجل، ليست كياناً منفصلاً عنه وليست كائناً مغايراً له.

وفي الآيات التي تتحدث عن آدم وحواء نجد الإشارة إليهما دائماً بضمير المثنى، خصوصاً في حادثة الأكل من الشجرة.

العهد القديم يضع المسئولية على المرأة في الخطيئة الأولى التي وقع فيها الإنسان، والتي استدعت فيما بعد – حسب العقيدة المسيحية – أن يأتي المسيح ليخلص البشر من تبعاتها :

1وَكَانَتِ الْحَيَّةُ أَحْيَلَ جَمِيعِ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ الَّتِي عَمِلَهَا الرَّبُّ الإِلهُ، فَقَالَتْ لِلْمَرْأَةِ: «أَحَقًّا قَالَ اللهُ لاَ تَأْكُلاَ مِنْ كُلِّ شَجَرِ الْجَنَّةِ؟» 2فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ لِلْحَيَّةِ: «مِنْ ثَمَرِ شَجَرِ الْجَنَّةِ نَأْكُلُ، 3وَأَمَّا ثَمَرُ الشَّجَرَةِ الَّتِي فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ فَقَالَ اللهُ: لاَ تَأْكُلاَ مِنْهُ وَلاَ تَمَسَّاهُ لِئَلاَّ تَمُوتَا». 4فَقَالَتِ الْحَيَّةُ لِلْمَرْأَةِ: «لَنْ تَمُوتَا! 5بَلِ اللهُ عَالِمٌ أَنَّهُ يَوْمَ تَأْكُلاَنِ مِنْهُ تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا وَتَكُونَانِ كَاللهِ عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ». 6فَرَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّ الشَّجَرَةَ جَيِّدَةٌ لِلأَكْلِ، وَأَنَّهَا بَهِجَةٌ لِلْعُيُونِ، وَأَنَّ الشَّجَرَةَ شَهِيَّةٌ لِلنَّظَرِ. فَأَخَذَتْ مِنْ ثَمَرِهَا وَأَكَلَتْ، وَأَعْطَتْ رَجُلَهَا أَيْضًا مَعَهَا فَأَكَلَ. 7فَانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَلِمَا أَنَّهُمَا عُرْيَانَانِ. فَخَاطَا أَوْرَاقَ تِينٍ وَصَنَعَا لأَنْفُسِهِمَا مَآزِرَ.

8وَسَمِعَا صَوْتَ الرَّبِّ الإِلهِ مَاشِيًا فِي الْجَنَّةِ عِنْدَ هُبُوبِ رِيحِ النَّهَارِ، فَاخْتَبَأَ آدَمُ وَامْرَأَتُهُ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ الإِلهِ فِي وَسَطِ شَجَرِ الْجَنَّةِ. 9فَنَادَى الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ وَقَالَ لَهُ: «أَيْنَ أَنْتَ؟». 10فَقَالَ: «سَمِعْتُ صَوْتَكَ فِي الْجَنَّةِ فَخَشِيتُ، لأَنِّي عُرْيَانٌ فَاخْتَبَأْتُ». 11فَقَالَ: «مَنْ أَعْلَمَكَ أَنَّكَ عُرْيَانٌ؟ هَلْ أَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ أَنْ لاَ تَأْكُلَ مِنْهَا؟» 12فَقَالَ آدَمُ: «الْمَرْأَةُ الَّتِي جَعَلْتَهَا مَعِي هِيَ أَعْطَتْنِي مِنَ الشَّجَرَةِ فَأَكَلْتُ». 13فَقَالَ الرَّبُّ الإِلهُ لِلْمَرْأَةِ: «مَا هذَا الَّذِي فَعَلْتِ؟» فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: «الْحَيَّةُ غَرَّتْنِي فَأَكَلْتُ». 14فَقَالَ الرَّبُّ الإِلهُ لِلْحَيَّةِ: «لأَنَّكِ فَعَلْتِ هذَا، مَلْعُونَةٌ أَنْتِ مِنْ جَمِيعِ الْبَهَائِمِ وَمِنْ جَمِيعِ وُحُوشِ الْبَرِّيَّةِ. عَلَى بَطْنِكِ تَسْعَيْنَ وَتُرَابًا تَأْكُلِينَ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكِ. 15وَأَضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ، وَبَيْنَ نَسْلِكِ وَنَسْلِهَا. هُوَ يَسْحَقُ رَأْسَكِ، وَأَنْتِ تَسْحَقِينَ عَقِبَهُ». 16وَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: «تَكْثِيرًا أُكَثِّرُ أَتْعَابَ حَبَلِكِ، بِالْوَجَعِ تَلِدِينَ أَوْلاَدًا. وَإِلَى رَجُلِكِ يَكُونُ اشْتِيَاقُكِ وَهُوَ يَسُودُ عَلَيْكِ».

(سفر التكوين – الإصحاح الثالث).

هكذا حصلت الخطيئة الأولى، المرأة : أعطت رجلها أيضاً معها فأكل. وهكذا قال آدم للرب : المرأة التي جعلتها معي هي أعطتني من الشجرة فأكلت. وهكذا خاطب الرب المرأة : آلام الولادة تكون عقاباً لك على ما فعلت، والرجل يسود عليك !.

هكذا كانت نظرة الأديان القديمة – التي تقول أن محمداً أخذ منها قصة خلق آدم – إلى المرأة ومسئوليتها عن الخطيئة الأولى. لكن القرآن له وجهة نظر مختلفة، إذ يقول الله سبحانه وتعالى :

(وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ{35} فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ{36}[البقرة : 35 – 36]).

(ويَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ{19} فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ{20} وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ{21} فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ{22} قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ{23} قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ{24}[الأعراف : 19-24])

(فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى [طه : 121])

انظر إلى هذا الكم الهائل من ضمائر المثنى في وصف آدم وحواء : كـُلا – شئتما – لا تقربا – فأزلهما الشيطان – فأخرجهما – فوسوس لهما الشيطان – ليبدي لهما – سوءاتهما – ما نهاكما ربكما – تكونا ملكين – تكونا من الخالدين – قاسمهما – إني لكما – فدلاهما – فلما ذاقا – طفقا يخصفان – وناداهما ربهما – ألم أنهكما – وأقل لكما – إن الشيطان لكما إلخ.

مشاركة في المصير وفي الأمر وفي الإغواء وفي العصيان وفي التوبة والاستغفار.

يقول دكتور أنور زناتي في كتاب “معجم افتراءات الغرب على الإسلام ” :

” نجد فى سورة النساء الآية 124 : (وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً).

وفي سورة النحل الآية 97 : (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ).

وفى سورة غافر : (يا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ. مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَاب [غافر 39 – 40]).

مقياس التفاضل بين البشر جميعا رجالاً أو نساءً على قدم المساواة هو : الإيمان والعمل الصالح.

فإذا اتجهنا إلى سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم وجدنا المزيد :

يقول المعصوم صلى الله عليه و سلم : ( إنما النساء شقائق الرجال) وفسر العلماء كلمة ( شقائق ) بالأمثال.

فالنساء في التكاليف وفي الحساب والعقاب والثواب سواءً مع الرجال.

وانطلاقاً من هذه المفاهيم الإسلامية الأصيلة شهد التاريخ أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها، تلك الفتاة المسلمة التي تربت على يد خير خلق الله – محمد صلى الله عليه و سلم – تقف ثابتة الجنان أمام الطاغية الكافر أبو جهل وهو يعنفها و يسألها عن مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يصفعها صفعة تنشق لها أذنها ويسقط قرطها لشدة الصفعة، فلا تهتز ولا تضطرب. ثم يشهدها التاريخ وهي تحمل الطعام في غفلة من الكفار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه فى الغار.



و يشهد التاريخ تلك المسلمة : نسيبة بنت كعب.

تلك المرأة التي حملت السيف وقاتلت في غزوة أحد، وفاقت بطولتها شجاعة صناديد قريش من المشركين. تلك المرأة التي شهد لها رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد لها الفاروق عمر رضي الله عنه.

ويذكر القرآن بالتعظيم والتوقير نماذجاً لنساء ارتقين بطاعتهن لله، فيقول عز وجل فى سورة التحريم :

(وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ {11} وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ {12}[التحريم 11 – 12] )

ذلك هو مقياس الأفضلية في الإسلام. التقوى والطاعة. وليس الجنس”.

– ثم تذكر الآية الكريمة التي تقول : (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَـئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ [المائدة : 60]). وتقول أن ذلك مستحيل من الناحية الطبية والعلمية والمنطقية والعقلية.

والحقيقة أن الواقعة هنا لا تتعلق بالعلم في شيء، فبالتأكيد البشر لا يتحولون إلى قردة وخنازير، أو أي كائن لا يتحول إلى أي كائن آخر، ولكن الأمر له علاقة بقدرة الله سبحانه وتعالى. القوة والإرادة التي خلقت الكون وخلقت المخلوقات وخلقت الإنسان بإمكانها – إذا أرادت – أن تحول وتغير في خلقها ما تشاء وكيفما تشاء. لذلك فنقاشي معك في هذه النقطة لا يدور حول إن كان هذا ممكن الحدوث علمياً ومنطقياً أم لا، وإنما حول السؤال التالي : هل الله قادر على أن يفعل ذلك أم لا ؟. وإجابة السؤال تعتمد أولاً – بالضرورة – على إيمانك أو عدم إيمانك بوجود إله خالق أصلاً. فإن كنت لا تؤمن بوجود خالق فليس من المنطقي في شيء أن أضيع وقتك ووقتي في محاولة إثبات أن الله مسخ بعض العصاة وحولهم إلى حيوانات ذات مرة، بل الأجدى أن يكون نقاشنا حول إن كان هناك إله خالق أم لا، ثم بعدها ننتقل لنقطة إن كان هذا الإله الخالق قد مسخ بعض البشر أم لم يفعل.

وإن كنت تؤمن بوجود إله خالق وقادر، فإنني أعود بك إلى نفس البرهان المنطقي الذي استخدمته في نقطة سابقة : القرآن كتاب معجز فيه من الآيات والدلائل والإشارات ما يؤكد أنه جاء من عند الله —–> القرآن يقول أن الله قد مسخ بعض العصاة إلى قردة وخنازير ——> إذن هذه الواقعة قد حصلت فعلاً.

– وتذكر الآية الكريمة التي تقول : (وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الذاريات : 49]).

فتقول أن هذا غير صحيح لأن العلم أثبت وجود كائنات كثيرة وحيدة الجنس، لا يوجد منها ذكر وأنثى، وكائنات خنثى تجمع الذكر والأنثى في كائن واحد.

لا أعتقد مطلقاً بوجود تلك الكائنات وحيدة الجنس التي تتحدث عنها، وإن كانت موجودة فأتمنى أن تخبرني باثنين أو ثلاثة منها لأزداد علماً في الموضوع !.

أما بالنسبة للكائنات الخنثى فأنت نفسك قلتها : هذه الكائنات تجمع الخلايا الذكرية والأنثوية بداخلها، فأين التعارض مع الآية الكريمة هنا ؟!.

يقول دكتور زغلول النجار :

“في هذه الآية تأكيد على قاعدة الزوجية المطلقة في خلق كل شيء من الأحياء والجمادات، بمعنى أن الله تعالى خلق كل شيء في زوجية حقيقية، وأن هذه الزوجية ظاهرة عامة في كل المخلوقات وعلى جميع المستويات : من اللبنات الأولية للمادة إلى الإنسان وإلى ما فوق ذلك من وحدات الكون، وإنها سمة من سمات التناسق والتناغم والتوافق في الخلق.

وهذه الزوجية في الخلق، الناطقة بوحدانية الخالق سبحانه وتعالى، تتجلى لنا في المراحل التالية :

1 – الزوجية في الخلايا التناسلية الذكرية والأنثوية.

2 – الزوجية في النطفة الذكرية التي تجمع صبغي التذكير وصبغي التأنيث.

3 – الزوجية في الصبغات الموجودة في نواة الخلية.

4 – الزوجية في حاملات الوراثة (المورثات أو الجينات) الموجودة على كل صبغي من الصبغيات.

5 – الزوجية في بناء الحمض النووي.

6 – الزوجية في ترابط القواعد النيتروجينية الأربعة البانية لسلميات الحمض النووي DNA .

7 – الزوجية في ترابط جزيء سكر الريبوز (وهو جزيء عضوي) مع جزيء الفوسفات (وهو جزيء غير عضوي) لتكوين جدار جزيء الحمض النووي DNA .

8 – الزوجية في بناء الأحماض الأمينية في صورها اليمينية واليسارية.

9 – الزوجية في بناء البروتينات وأضدادها.

10 – الزوجية في الجزيء بشقيه : الموجب Cation والسالب : Anion .

11 – الزوجية في الذرة بنواتها التي تحمل شحنة موجبة وإليكتروناتها تحمل شحنة سالبة.

12 – الزوجية في الجسيمات الأولية للمادة وأضدادها، أي في الوجود والعدم.

13 – الزوجية في اللبنات الأولية للمادة وأضدادها، أي في الوجود والعدم.

14 – الزوجية في المادة ونقيض المادة، أي في الوجود والعدم.

15 – الزوجية في شحنات الطاقة الموجبة والسالبة.

16 – الزوجية في كل من المادة والطاقة وهما وجهان لعملة واحدة ولجوهر واحد يشير إلى وحدانية الخالق العظيم.

17 – الزوجية في الكائنات الحية :

تتكاثر الكائنات الحية من الإنسان والحيوان بالتزواج بين ذكر وأنثى ويعرف ذلك باسم التكاثر الجنسي، وفي معظم الحالات تكون الذكور والإناث منفصلة عن بعضها البعض، وفي بعض الحيوانات البسيطة توجد الخلايا الذكورية والأنثوية في جسد الفرد الواحد الذي يقايض خلاياه الذكرية مع فرد آخر.

وفي التكاثر الجنسي قد يتم الإخصاب في داخل الجسم أو في خارجه. أما الكائنات الحيوانية الأكثر بساطة فتتكاثر بالإنشطار، أو التبرعم، أو التجزؤ، أو بالتجدد (التراكم) أو بالتوالد العذري (أي بدون إخصاب) ويعرف ذلك بالتكاثر اللاجنسي، وقد يتبادل الحيوان الواحد كلا النوعين من التكاثر في دورة حياته.

ومن معرفتنا بالزوجية في كل من اللبنات والجسيمات الأولية للمادة، نستطيع أن نجزم بأن صورة من صور الزوجية تتم في حالات التكاثر اللاجنسي.

وفي النباتات تتضح الزوجية في الأنواع المنتجة للأزهار (النباتات المزهرة) والتي يزيد عددها على الربع مليون نوع بشكل واضح، وأزهارها التي تنتج عن تفتح براعمها تحمل أعضاء التكاثر من الخلايا الذكرية والأنثوية التي قد توجد في زهرة واحدة، أو في زهرتين مختلفتين على نبات واحد، وقد يكون من النبات الواحد الذكر والأنثى.

وتؤدي عملية الإخصاب في النباتات المزهرة إلى إنتاج البذور، وتحتوي كل بذرة على جنين النبتة الجديدة، ومخزون من الطعام قدره الخالق المبدع لها، وتحفظ البذور عادة في الثمرة أو قد تكون هي الثمرة.

أما النباتات غير المزهرة فتتكاثر بالنوعين الجنسي واللاجنسي على مرحلتين في دورة واحدة تعرف باسم دورة تبادل الأجيال، في المرحلة الأولى منها ينتج النبات كلاً من الخلايا الجنسية الذكرية والأنثوية، وتنفصل الخلايا الذكرية وتتحرك في الأوساط المائية للوصول إلى خلية أنثوية والقيام بتلقيحها وإخصابها بالإتحاد معها، وفي الدورة الثانية ينتج النبات خلايا تناسلية اسمها الأبواغ، تتناثر عن النبات الحامل لها عند نضجها، وتنمو في الأوساط المناسبة لها نباتاً جديداً”.

– وتذكر الآية الكريمة التي تقول : (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ{49} أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ{50}[الشورى : 49-50])

وتقول أن العلم الحديث نجح في التوصل لتقنيات لاختيار جنس المولود ومعالجة العقم إلخ، وأن الأمر لم يعد مرهوناً بمشيئة الله.

بادئاً ذي بدء فإن أي شيء يقع في العالم مرهون بمشيئة الله، حتى رسالتك التي تشكك فيها في قدرات الله جاءت نتيجة لإرادته، ولو لم يشأ الله أن تكتبها لأصبت بأي شيء يشغلك عن كتابتها، ونفس الشيء بالنسبة لردي هذا عليك الآن.

بالنسبة لما تقوله عما توصل إليه العلم فلا أجد تعارضاً بينه وبين الآية الكريمة. الله سبحانه وتعالى لم يقل أنكم أيها البشر لن يمكنكم اختيار جنس المولود، وإنما قال أنه هو – سبحانه وتعالى – من يختار ويهب نوع جنس المولود لمن يشاء. التقنيات العلمية الحديثة موجودة في بلاد محدودة من العالم، وهي باهظة الثمن، قد تصل إلى خمسين ألف دولار لاختيار جنس المولود، لذلك ليس أي شخص بقادر على الاستفادة منها، والأشخاص القادرون على استخدامها، سواءً أولئك الذين تكون متاحة لهم بسبب أن بلدهم لديه التقدم العلمي الكافي لتنفيذها، أو أولئك الذين تتاح لهم لأن لديهم المال الكافي لإجرائها، أولئك سيصبحون ممن وهبهم الله – رزقهم، بمشيئته – إناثاً أو ذكوراً كما تقول الآية الكريمة، لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي دبر واختار أن يكونوا في بلد بها هذه الإمكانية وأن يكون مستواهم المادي يسمح لهم بإجراء هذا الأمر، وهذا هو معنى “يهب” أي يرزق/يعطي / يختار من الذين يكون لديهم إناثاً أو ذكوراً أو الاثنين معاً.

ثم إن استخدام هذه التقنية فيه خطر كبير على البشرية، لأنه لو اختار كل الناس أن يحصلوا على ذكور، فستنقرض البشرية خلال عقود قليلة !.

– ثم تذكر الآية الكريمة التي تقول : (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة : 222]).

وتقول أن العلم أثبت أن دم الحيض مفيد وأنه مخصص لتغذية الجنين، وأن كلمة “أذى” هي كلمة فضفاضة عائمة ليست متخصصة ولا تليق بكتاب سماوي.

تقول ماري كلود دولاهاي في كتابها “دليل المرأة من سن المراهقة إلى سن اليأس” :

“الحيض (الطمث) هو الدم الذي يخرج بشكل دوري منتظم. إنه يحدد نهاية الدورة الشهرية وبداية دورة أخرى. يحدث الطمث عادة كل 28 يوماً. يأتي الدم من جدار الرحم، فيمر من فتحة عنقه إلى المهبل حيث يتوقف قليلاً ثم يخرج.

خروج الدم يعني أن البويضة لم تتلقح. فالغشاء الذي تكون على جدار الرحم لم يعد له مبرر، لذلك يطرد خارجاً.

ويتوقف الحيض عند الحمل أو بلوغ سن اليأس”.

فلا أعرف يا سيدي من أي علم جئت بالقول بأن دم الحيض مفيد ومخصص لتغذية الجنين في حين أن الحيض يتوقف أصلاً طوال الحمل !!.

وبغض النظر عن كل هذا؛ فالأذى المذكور في الآية الكريمة خاص بالمواقعة الجنسية بين الزوج والزوجة، أنها ضارة طوال فترة الحيض ويجب أن تتوقف، ولم يأتِ أي ذكر حول إن كان الحيض مفيد للمرأة أو جنينها !.

ثم إنني بحثت في كتيب “موسوعة الكلمات التي لا يليق بالكتب السماوية استخدامها” الذي عندي فلم أجد فيه أي ذكر لكلمة “أذى”، ولا أدري إن كانت لديك طبعة متقدمة عن التي عندي أم لا !.

لدي سؤال يلح علي بشدة الآن، وأعتذر إن كان فيه أي تطاول أو تجاوز : هل سيادتك متعلم ؟!.

رابع عشر : أتمنى أن أكون قد وضحت لك – باعتبار أنك باحث عن الحقيقة ولست مجرد متعصب جاهل لا علم لديك، ومع ذلك تجعجع بما لا تعرف – وضحت لك ما خفي عليك :

وأود كذلك أن أشكرك بصدق، لأني بسبب كلامك بحثت ونقبت واكتشفت الكثير من الجوانب العظيمة الرائعة الموجودة في ديني، والتي كنت غافلاً عنها، وبفضل الشبهات التافهة التي طرحتها أعدت اكتشافها ووعيتها، وازددت إيماناً بعظمة هذا الدين وبعظمة هذا التشريع، وفهمت لماذا كان المسلمون الأوائل يدافعون عنه بأرواحهم، ولماذا خاضوا في سبيل نشره الكثير والكثير وصبروا على الكثير والكثير، فهذه رسالة سماوية عظيمة، من المهم أن تصل لجميع إخواننا البشر لتنير دربهم وتنظم حياتهم. وكما يقول الرائع برنارد شو : “لو كان محمد حياً لحل مشاكل العالم بينما يتناول فنجان قهوة”.

لذلك أصبحت أؤمن يا سيدي أن الله أرسلك لنا لتستفزنا بتفاهتك وقلة علمك، لنعرف قيمة هذه العقيدة وهذه الشريعة في نفوسنا، وأنا مؤمن أن كثيرين سيعرفون الكثير من المعلومات بفضلك، وسيفهمون الإسلام بشكل أفضل بسببك، وأول هؤلاء كاتب هذه السطور.

فشكراً لك، لأنك – دون أن تدري – كنت وستكون سبباً في زيادة الإيمان لدى كثيرين، بإذن الله.

ومع ذلك فلدي عتاب بسيط، دعك من الأسلوب غير العلمي القائم على إطلاق المانشتات الصحفية الصفراء دون أي دلائل أو قرائن أو أمثلة أو شرح أو حتى حد أدنى من العلم بخصوص الأمورالتي تخوض فيها. عتابي هو أنني أتوقع من أمثالك قضايا تستحق فعلاً المناقشة والتفنيد والشد والجذب حولها، أشياء على غرار لماذا أحرق عثمان بن عفان نسخ القرآن – القراءات السبع في القرآن إلخ

فهذه أشياء يحلو لأمثالك الطنطنة حولها، لكني فوجئت – بصراحة – بك تتركها وتركز على الكلام حول أشياء تافهة مثل أن “أنلزمكموها” كلمة ركيكة، والآيات البليغة القص ولزق التي وضعتها – والتي تستحق فعلاً أن توضح في متحف ويتم تعليقها في الشوارع والطرقات ليعرف الناس الفرق بين القرآن وبين الركاكات الأخرى – أقول أنني فوجئت بك تنفق جهدك على هذه الأمور التافهة التي تم تجاوزها منذ دهور. لذلك أدعوك – كنصيحة من أخ في البشرية – للتركيز على القضايا التي ذكرتها بأعلى. اذهب وابحث جيداً هذه المرة، واستمع لآراء من هم أعلم منك، والجأ إلى المراجع والكتب ومواقع الإنترنت، واجمع معلومات وشبهات كافية، ثم تعال إلي هنا وناقشني فيها، وأعدك في المرة القادمة أنه سيكون هناك الكثير من المرح !.

وفي النهاية دعني أختم بقول جابريللى الباحث الإيطالى :

“الأقوال غير المسئولة من بعض المستشرقين بأن محمداً مؤلف القرآن أقاويل باطلة لا صحة لها، وهي محاولات فاشلة للنيل من هذا الدين ومن نبيه “.

ويقول الكونت هنري دي كاستري، (1850-1927)، والذي كان مقدماً في الجيش الفرنسي، وقضى في الشمال الأفريقي ردحًا من الزمن. ومن آثاره: (مصادر غير منشورة عن تاريخ المغرب) (1950)، (الأشراف السعديون) (1921)، (رحلة هولندي إلى المغرب) (1926)، وغيرها :

“.. إن العقل يحار كيف يتأتى أن تصدر تلك الآيات عن رجل أمي وقد اعترف الشرق قاطبة بأنها آيات يعجز فكر بني الإنسان عن الإتيان بمثلها لفظًا ومعنى. آيات لما سمعها عتبة بن ربيعة حار في جمالها، وكفى رفيع عبارتها لإقناع عمر بن الخطاب فآمن برب قائلها، وفاضت عين نجاشيّ الحبشة بالدموع لما تلا عليه جعفر بن أبي طالب سورة زكريا وما جاء في ولادة يحيى وصاح القسس أن هذا الكلام وارد من موارد كلام عيسى .

لكن نحن معشر الغربيين لا يسعنا أن نفقه معاني القرآن كما هي لمخالفته لأفكارنا ومغايرته لما ربيت عليه الأمم عندنا. غير أنه لا ينبغي أن يكون ذلك سببًا في معارضة تأثيره في عقول العرب. ولقد أصاب (جان جاك روسو) حيث يقول: (من الناس من يتعلم قليلاً من العربية ثم يقرأ القرآن ويضحك منه ولو أنه سمع محمدًا يمليه على الناس بتلك اللغة الفصحى الرقيقة وصوته المشبع المقنع الذي يطرب الآذان ويؤثر في القلوب، لخر ساجدًا على الأرض وناداه : أيها النبي رسول الله خذ بيدنا إلى مواقف الشرف والفخار أو مواقع التهلكة والأخطار، فنحن من أجلك نودّ الموت أو الانتصار).

وكيف يعقل أن النبي ألف هذا الكتاب باللغة الفصحى مع أنها في الأزمان الوسطى كاللغة اللاتينية ما كان يعقلها إلا القوم العالمون. ولو لم يكن في القرآن غير بهاء معانيه وجمال مبانيه لكفى بذلك أن يستولي على الأفكار ويأخذ بمجامع القلوب “.

ويقول برنارد شو :

“لقد وضعت دين محمد موضع الاعتبار السامي بسبب حيويته المدهشة، فهو الدين الوحيد الذي يلوح لي أنه حائز أهلية الهضم لأطوار الحياة المختلفة، بحيث يستطيع أن يكون جذاباً لكل جيل من الناس.

لقد تنبأت بأن دين محمد سيكون مقبولاً لدى أوروبا غداً. وقد بدأ يكون مقبولاً لديها اليوم. لقد صور أكليروس القرون الوسطى الإسلام بأحلك الألوان، إما بسبب الجهل أو بسبب التعصب الذميم، ولقد كانوا في الواقع يربون على كراهية محمد وكراهية دينه، وكانوا يعتبرونه خصماً للمسيح.

ولقد درسته باعتباره رجلاً مدهشاً، فرأيته بعيداً عن مخاصمة المسيح، بل يجب أن يدعى منقذ الإنسانية، وإني لأعتقد بأنه لو تولى رجل مثله قيادة العالم الحديث لنجح في حل مشكلاته بطريقة تجلب إلى العالم السلام والسعادة اللذين هو في أشد الحاجة إليهما.

ولقد أدرك في القرن التاسع عشر مفكرون من أمثال كارليل وجوتة وجيبون القيمة الذاتية لدين محمد، وهكذا وجد تحول حسن في موقف أوروبا من الإسلام، ولكن أوروبا في القرن الراهن تقدمت في هذا السبيل كثيراً، فبدأت تعشق دين محمد، وفي القرن التالي ربما ذهبت إلى أبعد من ذلك فتعترف بفائدة هذه العقيدة في حل مشاكلها، فبهذه الروح يجب أن تفهموا نبوءتي. وفي الوقت الحاضر كثيرون من أبناء قومي ومن أهل أوروبا قد دخلوا في دين محمد، حتى ليمكن أن يقال إن تحول أوروبا إلى الإسلام قد بدأ”.

والسلام على من اتبع الهدى

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: